مملكة الزيوان» هي المنتج الأدبي الأول للكاتب الجزائري الصدّيق الحاج أحمد (دار فيسيرا، الجزائر)، وهي رواية سمحَ فيها الكاتب للتاريخ أن يلتقي مع الجغرافيا وجهاً لوجه على مائدة الذاكرة، على نحو يُشعر القارئ بدسم الأسطورة ومذاق الفلكلور. إذ تمتزج العادات والتقاليد بالموروث الاجتماعي، والخرافي والغرائبي بالمعتقد الاجتماعي، ضمن سرد روائي يطغى فيه مكان الرواية على شخوصها، لكأنما قد تعمّد الروائي ذلك ليقول لنا، بإيحاء خفي وإيماء سري: «إن ما تحويه دفَّتَي هذه الرواية قد كُتب بقلم ابن منطقة (توات)». ولربما أن الكاتب تعمّد أن يُظهر لنا هذا الحس من الأصالة والاعتزاز والمصداقية في استعراض تاريخ مشرّف لإحدى أهم المناطق الصحراوية في العمق الجزائري، مسقط رأسه في إقليم «أدرار». عام القنبلة والجراد، الذي اعتمده أهل «توات» كنقطة ارتكاز للتقويم الخاص بهم، هو أيضاً نقطة ارتكاز الرواية، ولبنتها الأولى، ففي ذاك العام الكارثي المشؤوم جرّب الفرنسيون قنبلتهم النووية في صحراء الجزائر، والتي تزامنت مع غزو الجراد الصحراوي لحقول القمح مصدر رزق أهل «توات». في ذلك العام، وُلد «المرابط الزيواني»، وهو بطل الرواية، الذي به تبدأ أحداثها وبه تنتهي، حيث لجأ الكاتب إلى تتبع حياته بكل تفاصيلها، كاشفاً بذلك نمط حياةٍ لمجتمع بأسره، على مدار أربعة عشر فصلاً. وهنا تَظهر لنا الذاكرة، حصاناً امتطاه قلمُ الكاتب، كي يلج بنا إلى عوالم المجتمع «التواتي»، بثوابته ومتغيراته، وآلامه وأفراحه، طيلة ثلاثة عقود من الزمان. حيث يسرد الكاتب الظروف الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بولادة «المرابط الزيواني»، بصفته الذكر الوحيد لوالده في العائلة، ووريثه الشرعي، وسط مجتمع ينظر للمرأة على أنها عورة، وليس من حقها أن ترث، وهو ما حدث مع «مريمو» الابنة الوحيدة لوالدها. اعتمد الكاتب على الدقة المتناهية وهو يتتبع نمو الشخصية الروائية: ولادة الطفل وحبوه، وفطامه، ومشيه، وختانه، ذهابه إلى المدرسة، ثم سفره خارج محيط القرية، وانتقاله إلى العاصمة، حيث قرّر أن يدرس التاريخ هناك، تيمّناً بأستاذه «جاسم العراقي». يتعقّب الكاتب الأحداث والظروف المحيطة بالبطل، كاشفاً لنا على نحو مبهر، كل ما يتعلق بالعادات والتقاليد المجتمعية التي أثّرت في قناعات ذاك الشاب، وفي فهمه لما يجري حوله من تغييرات، إلى جانب عرض المؤثرات الداخلية والخارجية عقب اعتناقه الفكر الاشتراكي، بخاصة بعد حدوث الثورة الزراعية، من تفتُّت للملْكية وتوزيع للأراضي وإلغاء للإقطاعية، ثم التغيرات التي طرأت على صعيد العلاقات الإنسانية، والتي صاحبت هذا التغير النوعي الذي شهده مجتمع «أدرار» الزراعي المغلق. «مملكة الزيوان» رواية ترصد التغيرات والمؤثرات التي مر بها جيل بأكمله طيلة ثلاثة عقود من الزمان، وهي رواية تنهل من الأنثروبولوجيا والتاريخ والأسطورة، نظراً لغزارة ما تحويه مجتمعات الداخل الجزائري (ومنها «التواتي») من معتقدات ومفاهيم تشكل إطاراً لمنظومته الاجتماعية والثقافية. كَثُرَ في الرواية استخدام الحواشي، مثلما ظهرت جزالة اللغة ومتانة الألفاظ، وبدت الرواية أقرب إلى «السير-ذاتية»، وهذا أمر ممكن الحدوث في التجربة الروائية الأولى، لكن يسجَّل للروائي الصديق حاج أحمد، أنه قدّم رواية كاشفة وافية للبيئة التي ينتمي إليها.
———————————————————————–
* أكرم خلف عراق (روائي أردني)




