أقف ساهما حائرا بين البقاء و الرّحيل لا يمتدّ إلى مسمعي غير صوت انكسار الأمواج و عويل نوارسه الحائرة، أشعّة الشّمس تخــبو شعاعا شعاعا، و جمرة قرصها تكاد يطفؤها البحر. نامت المدينة باكرا و تلفّعت الشّوارع بالغبش عابسة، تاهت عيني في دمس البحر الهائج على خيوط ضوء محتشم لقمر شتويّ يتيم، تيبّس ساعدي على حافّة النّافذة… رُفع أذان الفجر الأوّل، عُدت إلى حيث ما عادت غرفة النّوم الكبيرة تسعدني و لا حكايا اللّيل عن البيوت المسكونة و العفاريت تخيفني و لا أساطير الغيلان. و الحقيقة أنّي كنت أخشى ظلمة اللّيل أكثر؛ أغلق النّوافذ و أشعل مصباح الغرفة قبل غروب الشّمس؛ يقهرني أن أراها تغرب فينساب عنها الظّلام مثقلا بالوجع المجهول و تعاودني تلك الصورة الوحيدة المضبّبة التي أملكها عن صباي و تهاجمني تلك الأسئلة القديمة المعلّقة تطالب بأجوبتها تلفني كحبل مشنقة و تعتصرني… يخيفني الظّلام بحلوله، يلبسني دَمَــسُه و يتخللني فأعود غائبا منظورا… تقرفصت قريتنا في قاع المدينة تضم خمسة عنابر حسب الفئات العمريّة، لكلّ عنبر شقّين؛ واحد للبنين و آخر للبنات عدا “عنبر الأرانب”كما نسمّيه تعارفا؛ للرضّع و الأطفال دون العام الثالث… جنوباً و تحتها مباشرة تربض مقبرة عتيقة ما عاد في وسعها استقبال وافدين جدد… ترعرعتُ و ليس بي أدنى خوف من ساكنيها، فتلك مساكنهم لا يحتاجون فيها لأكثر من مساحة تعانق تمدّدَ أطوالهم… بوّابتها صدئة متهالكة؛ إحدى دفتيها انهارت و لم تقم، و الأخرى مائلة آيلة للسقوط…كثيرا ما تأمّلتها أنظر إلى سورها المتعب و قبورها الشّبه مطموسة من خلال نافذة الغرفة أبحث عن الفروق بين قريتنا و المقبرة كمُدمن للأخطاء السّبعة… و البحر شمالا تحتضن حافّته العذراء الصّخور العملاقة تكسر عتو أمواجه و تحتوي غضبه، تحاول بلا يأس تبديل طبيعته، و بضع سفن طافية عليه حزينة الألوان… شغوف أنا بالكتابة، و المطالعة، و الرّسم. المكتبة و ورشة الأشغال سياحتي و منتجعي… كلّما سُمح لي بدخول المكتبة التهت القصص و اليوميات التي تصف أيام العيد و سهرات ليالي رمضان و ليالي الشّتاء اِلْـــتهاما؛ أطالعها ثم أعيد مطالعتها كأنّي أقرأ عن قوم لا يتنفسون هواءنا، و نحن الذين تمرّ ليالينا باردة كما نُــهُرِها رتيبة الحركات و السّكنات و الكلمات، و إن تخلّلتها بعض المسرحيات الموسميّة يؤدّيها حمقى يقصدوننا محمّلين بالهدايا التّافهة المنفوخة يتكبّدون الابتسامات الجافّة، مجتهدين في نَظرات الإشفاق… حين تجاوزت اليفع وقع في روعي من أثر ما قرأت من القصص أن أكتب قصّة حياتي… ذات صباح مُـرّ لا يختلف عن سابقيه ادّعيت المرض حتى لا أرافق إخوتي في رحلتهم إلى حديقة الحيوان الـمُـملّة… أخذت ورقة؛ أمسكت القلم ساعة، سافرت في ذكرياتي، لا أعرف كيف كانت البداية؟… عادت تلك الأسئلة القديمة تحفر وجعي… لا تحضرني سوى صورة وحيدة؛ أراني يسلّمني رجل إلى رجل آخر و أنا أمسك بطرف كُــمّه أبكي و أصرخ، لا أرى غير أيديهما صورة ضبابية الألوان كأنّه اللّيل، ثم يتوارى الرّجل الذي سلّمني… مزّقت الورقة، كسرت القلم، انخرطت في بكاء مرّ عريض حتىّ تورّمت عيناي و جفّ منهما الدّمع… لم أعتد يوما صراخ المربّيات و لا حتى نفاقهن، و لا جلبة الأطفال… لست مشتاقا لطفولتي؛ استخلصني الوجع رفيقا دون من يجرون و يمرحون و يضحكون حتى تجري من الفرحة مدامعهم و إن كنت لهم مشاركا أجاريهم و أُظْهر الفرحَ كذباً… أذكر يوم أضافوا رقما إلى الدّار و به بلغ عددنا الخمسين اسما بقدوم أخي الأصغر الذي سمعت إحدى المربيات تقول أنهم وجدوه في محطّة الحافلات يجرّه كلب ظالّ من قُماطه و كاد يهلك من شدّة الجوع؛ تخلّصت منه أمّه ببرودة لتهرب من خطيئة لن يغفرها لها المجتمع، و تكفّلت هي بمحو أثارها بعد أن غسل شريكها في الجرم يديه بماء الذكورة المتوارث. و سيدفع طفلهما ثمنها غاليا مدى حياته مِن حياته… آلمني زمنا و أذهب النّوم من جفني: هل يُحتمل أنّي كنت ذات يوم شيئا من جسد الزّبالة و لقمة أفلتَـتْ من بين فكّي كلب ضالّ؟… بئسا لمتعة لم تدم غير لحظات تثمر مرارة عقود من الزّمن يتجرّعها طرف ثالث كان معدوم الوجود حينها!… كثيرة هي الوجوه التي تأتي و تروح بين الفينة و الأخرى و تلك ميزة “عنبر الأرانب”… حين تغادرنا تلك التي أحببتها تهزّ وجدي، فأبكي فراقها أيّاما ظاهرا، سعيدا لها في أعماقي أنْ كانت أوفر حظا ممّن سواها، و ستحظى بتلك الأجواء الحانية الرائعة التي قرأت عنها في القصص، و ستسعد بأنْ تنادي أمّي و أبي، و تُنادى بأرقّ الكنيات و التّسميات من هؤلاء المحترقة أفئدتهم لقُحول أصلابهم… قلبي ميت جاف و أجْدب إلاّ من أمنية واحدة ترويه و تحرقه؛ “رؤية وجه أمّي”… لا ﻮَﺟﻊ ﺃﺷﺪّ من بيت ﺑﻼ ﺃﻡّ… المربيات أمّهاتي مجازا ضُرِب عليهن العَـنس كلّهن لا يدركن عذوبة و رقّة أن أرفعَ إحداهنّ و أناديها”مَـــامَـــا”. لم أدرك قبحهن و شدّة قسوتهن إلاّ بعد أن استُخلفت تلك الـحــَـيْــــزَبون عاملة النّظافة بكهلة على وجهها طلاوة، أنعم من الحرير، و أحلى من العسل،كانت أحيانا تُـحْضر معها ابنا لها في مثل سنّي أيّام العطل؛ كلّما أنهتْ مهامّها و همّت تغادر الدّار تمنيت لو تصطحبني معها إلى بيتها… لست أدري لماذ اعتقدتها تشبه أمّي تماما… تعبتُ من الأسِـرّة الصدئة، و أطيطها، من التّدفئة المعطّلة، من صراخ المربّيات الدّائم، من قائمة الوجبات الرّتيبة الرديئة الممجوجة، من بيت لا عماد له، واهن، هارٍ … أنا الحجر الذي لن يـحِــنّ إلى الواد… يتمادى فبيَ الوجع… زفراتي بلا مأوى… ابتساماتي بلا عنوان… سجنتَ ظُلماً وعدواناً في اسم أنا منه براء مأخوذ بجريرة آبائي، و عشت طفولة مشطوبة البراءة، و نصيبا ثمينا من شبابي… أحيا بلا ماض في حاضر مبهم… تطاردني النظرة الدونية.. يتفنّنون في صياغة تسميات تذبحني، موصوم جبيني بالعار أينما حللت، تزدريني أعين البشعين و تحتقرني حيثما كنت… وحدها الأخلاق تقدر أن ترفعنا إلى أﺭﻗَﻰ ﺩَرجــَﺎﺕ ﺍﻟﺠَﻤﺎﻝ… أسافر في متاهات أوردتي أسائل دِماها أشرقيين كان مَصبّاها أم غربيين؟… أين أنت يا أمّي؟ هل سيأتي يوم و أحكي لك عن الوجع الذي احتاحني؟ عن الصورة التي رسمتك فيها؟ عن الأسماء التي سمّيتك بها؟ إنّي أحتفظ لك بصورة تحت وسادتي من خيالي… أَ هان عليك أن لا تتركي لي منك أثراً إلا هذا الجسد الـهِدّ ألبسه قسرا؟… مهزوز، مهزوم، مقهور أنا! مبتور الأفراح، الأحلام… لن أدَّعي عليكِ أكثر! فوّضت أمري إلى الله… قررت هزم سؤالٍ في ثقل الجبل و بطش الجبابرة و غليان البركان ذات لحظة تساوى فيها الموت و الحياة عندي، و طعم العسل بالعلقم… ضقت ذرعا بالمرارة التي تغصّ روحي، ترسل بيَ إلى الموت دون الموت، مُدان دونما جرم، تُنفّذ فيّ حكم الإعدام بوحشيّة… أرهقني، أرّقني ، أحرقني ” مَــــنْ أَكُـــــــون “… تسللت إلى مكتب المديرة و ساقاي ترتجفان، بحثت في الأدراج عن ملفّاتنا بيدين ترتبكان في الأدراج و على الرّفوف… بحثت عن اسمي مرورا بأسماء تملك اسم الأم و تاريخ الميلاد و أخرى لا تملك غير تاريخ الميلاد… فاجأني عظيما أنْ كنت الوحيد الذي يملك اسم الأبوين معا و شهادة ميلاد تامّة التّفاصيل… طرت سعادة لحظتها، و فرحا… لي أبوين… تخيلت وجهها كشمس تنير الأرض بعد شتاء قارس البرد، غائم، ماطر، عاصف… تخيلتُـني تحضنني أمي و أنا أمرّر أناملي على خدها أتحسّس نعومته… تمنيت لحظتها مئات الأمنيات السّعيدة…. ألا تبّا لهنّ جميعا! بأيّ حق حجبن حقّي عنّي؟ و تواطأن على حرماني من الأحلام السّعيدة، النّوم، الاستيقاظ بسلام؟… لم تدم فرحتي طويلا و انتابتني حيرة أكبر: ما كان حجم الحجّة التي قذفتني إلى بيت العنكبوت هذا؟… مضت أيام ثمّ قرّرت أن أسأل عاملة النّظافة تلك، باغتّها و هي تعطيني قطعة حلوى كعادتها كلّ صباح: ما الذي عرفتِــه عنّي من المربّيات؟ تراجعت يدها و هي ما تزال تمسك بقطعة الحلوى، أطرقتْ زمنا ثم رفعت بصرها إليَّ و لم تقل شيئا و قالت عيناها المغرورقتان كلّ شيئ لم أفهمه لكنّي شعرت بسوئه و بشاعته، ثم قالت بحروف مبعثرة: لا شيئ!… تعاظم وجعي بهذا الظلم! “لـِم أنا هنـــــــــــــــــــــــا؟” … يوم بلغَ ما مضى من عمري الثّمانية عشر عاما، و حان موعد تسليمي مرّة أخرى أعزلا مُدجّنا مجبرا على القتال من أجل أن يحيى و يمارس التنفس و الشّرب و الأكل، و النّوم… أقيمت حفلة صغيرة على شرف طردي بكرامة من القريّة تزامنا مع عيد مولدي و أطفال أُخر كما عهدنا قريتنا تفعل يوما من كلّ شهر؛ آتى رجل قريتنا يسأل عن المديرة رفقة رجل آخر بزيّ حكوميّ أزرق؛ حَضَرتني الصورة المعتّمة مرّة أخرى… تأمّلته طويلا و هو يخُبّ المسافة في ثوب رثّ مهلهل متهدّل الكتفين إلى مكتب المديرة و نظراته لا تنفكّ تمسح وجوهنا… نادت عليَّ، اختلتْ بِــي، باشرت حديثا في ثوب الموعظة، مددتُ لها شقّ وجهي الأيسر و ما زلت أفعل لمحدّثي مذ صفعتني تلك القميئة البجباجة لحظة أصبت فستانها بقليل من صلصة الطّماطم خطأ. بدى لي أنّ حديثها سيطول جدا… بمجرّد أن قالت: كلّ الناس يخطئون… حضرني جواب عَـيْـن العاملة التي سألتها عني، فقاطعتها: الرّجل المنتظر خارجا أبــــــــــي؟… بُـهتت و هزّت رأسها حركة خفيفة و هي تنظر إليَّ مشدوهة تضع يدها على فيها… ثم أردفتُ قائلا: متى أرحل عن القرية؟.. ـ قالت سنسوّي بعض الأمور الإدارية و لم تعقّب. استعجلتُ الشعور بحضن أمي ّو لا أذكر كيف هو؛ فقط معناه يَـجوسني… لم يستغرق الأمر غير ساعة من القعود على الجمر و طقوس الارتقاب و احتضن أبي أشواقي و أشواكي بقوّة و ارتجاف، قبّل منّي الوجه، اليدين ، العنق، الرأس يتمتم بكلام يشبه الاعتذار… انثالت دموعنا بلا توقّف… ربّما بلغه ولعي بالكتابة؛ أهداني قلما فضيّا كأنّه كفّارة عن ستّة عشر عام من الغياب. و نحن في طريقنا إلى بيته رأيته يسير يلتفّت يمنة و يسرة مزهوّا يُـبدي فرحا مواربا أن له ولد يفوقه طولا يسير إلى جانبه، و الحقّ أنّي كنت أعظم زهواً منه تغمرني نشوة، تحدوني رغبة في الرّقص و الصّراخ ليعلم العالم أنّي معلوم النّسب، ابن نكاح أنا لا سفاح، معلنا للدّنيا أنّي معروف الأبوين و لم أتجاوز الابتسامة يمنعني اكتظاظ السّؤال و الضّجيج في رأسي… لن يكفيني ما بقي من العمر لأروي لك يا أمّي ما عشت من الاحتراق منتظرا لحظة لقياك… تراكِ تشبهين تلك التي أتخيّلها؟ أم تطابقينها؟ تراك آثرت البقاء في البيت لتحتفي بقدومي على سُنّة الأمّهات؟ أم تأخّرتِ لظرف منعكِ؟… و شعور قويّ يخالج صدري عجزت عن تفسيره… يرفع يده في كلّ الاتّجاهات يلقي التّحيّة عل أهل الحيّ من المارّة، تردّ عليه الأيدي التّحيّة و الوجوهٍ تدحجه بنظراتها: أيّها الغريب واصل طريقك و لا تلتفت!… وصلنا إلى بيت خاو على أهله لم يحتفظ إلاّ بالاسم، للعنكبوت من زواياه نصيبا وافرا، يُطلّ على ذات البحر و حافّته العذراء و الصّخور العملاقة تكسر عتو أمواجه. مذهولا غير مصدّق… اكتفيت بسؤال يتيم رغم زحمة الأسئلة و غليانها: أين أمّي؟ طأطأ رأسه و رماني بثالثة الأثافي: … قضيت سنين غيابي عنك في السّجن؛ بعد أن دفعتها عن غير قصد الأذى و أنا مخمور العقل، فارتطم قفاها بحافّة الدَّرَج… رأيت أمّي ملقاة على قفاها و رأسها ينزف… صرخت و صرخت و صرخت. بكيت أيّاما معتزلا بنفسي عنه و لم أعقّب و ليس يجدي لوم أو عتاب! بعد أن ذهب عنّي ما انتابني و سكن ما أحرقني نظرت إليه؛ أَعْجَف البدن، فاحم الوجه، مفجوع السّحنة، أهدر أجمل سنين عمره، قتل من يحب، أبدا لن يشعر بالسّلام أو السّكينة، يجتاز أسوار حزنه ليُفرغ تنهيدات يسحبها من عمق ألمه و حسرته في قنّينته الخضراء كلّما شعر بالذّنب ليتحرّر، يُـخاتل وجع صدره المقيم لينافق المرآة بابتسامة، يوقن أنّ ابنه الوحيد لن يحبّه جزاء، خرج لتوّه من السّجن ليدخل آخر بلا جدران، أسير النّدامة، تدينه الأعين كلّ حين، مرفوض جملة و تفصيلا… ثمّ نظرت إليّ؛ لست اختلف عنه كثيرا؛ مُدان بأب سكّير قاتل و الفرق بيننا أنّه اختار ما هو عليه أمّا أنا فلم أختره، و أنا مجبر الآن على الاختيار بين البقاء معه في دائرة الوصم الموصدة و احتمال الأذى و بين الرّحيل إلى ثنايا المجهول حاملا شهادة ميلادي و تكبّد المشقّة
* قاصة من الجزائر




