انطباعي عن ملتقى “راهن الادب الجزائري” الثالث بالجلفة ..تبعدنا الجغرافيا و تقربنا الكتابة / ف ياسمينة بريهوم*
بواسطة مسارب بتاريخ 15 ديسمبر, 2014 في 04:32 مساء | مصنفة في أخبار ثقافية | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1641.

 

حين دعاني الناقد والكاتب قلولي بن ساعد لملتقى “راهن الأدب الجزائريّ” في طبعته الثالثة كنت قد اعتذرت عن الحضور، ورغم استيائه فقد تقبّل بكرمه ما علّلت به غيابي عن الفعاليّات. لكنّ تكريم قامة كالأستاذ “مخلوف عامر” وهو أمر ليس غريبا على كرم الجلفاويين الذين مازالوا يحفظون للجزائر قلبها النابض بالشهامة والموّدة جعلني أراجع قراري،وأعيد برنامجي الذي سهُل باتّفاقي مع بعض الأصدقاء على إلغاء الثلاث مئة كيلومتر تقريبا التي تفصل العاصمة والجلفة بالحديث الرائق الواعي. تَغيّر برناماج الاصدقاء الذين كنت سأترافق معهم للجلفة لم يبدل إصراري على الذهاب مستعيضة عن أحاديثهم العذبة بالامتداد والإتّساع الذي تهبه الطريق إلى الجلفة، إذ ترخي الأعصاب ، وتمنح البصرَ الإمتلاءَ بالفراغ المؤثث بانبساط الأرض تارة، وبشجيرات مقاومة تطرح سؤال المشروع البيئيّ والعمرانيّ في بلادنا، وحمق تركزِّنا في مدن ضاقت منّا وبنا تارة أخرى لولا الطريق التي تجاوزتها التغيّرات الطارئة على الحضيرة الوطنيّة للنقل،و التعداد السكانيّ.. لم تثنن سيارات الأجرة القليلة إذًا عن إكمال رحلتي إلى “عين وسارة” كحلّ للوصول بعد أن تبدّد خوفي من التحاقي متأخرة إلى الجلفة عندما طمأنني الصديق الكاتب والناشر “نبيل دادوة” بقدومه لنقلي إلى الجلفة كآخر فرسان الأزمان الجميلة.. من قال إنّ الجزائريين أضاعوا أخلاقهم ومروءتهم؟ يفتح الفرح كلّ أبوابه والأصدقاء يلتقون بعد غياب يطول سنوات لبعضهم؛ نقّاد وشعراء وقصاصين جاءوا من الجهات كلّها متّفقين على أنّ المايسترو “قلولي بن ساعد” عزف أجمل سمفونيّة لقيا في هذا الخريف الحار، وهم يسألون مبتهجين عن بعضهم البعض. لا تكفّ الجلفة عن مفاجأتك فقد تقدّم أمينها العام إلى افتتاح أشغال الملتقى بجزائريّة سهلة لا تركب غريب الكلام، ولا تستعين بالتنطّع لتقول إنّها ترحب بهذا الحراك، وتعيب عليه عدم وصول المعلومة إلى المواطن مقترحة: استعمال الوسائل القديمة كمكبّر الصوت (يبدو أنّه لن يفقد جدواه مثله مثل البرّاح رغم مزاحمة وسائل التواصل والإتّصال الحديثة) ليتعاقب النقاد على منصة النقاش الهادئ بعد تكريم الأستاذ الدكتور – تنزّه عن أن يكون بن دكتور كما روي عن السائحيّ الكبير يوما- “مخلوف عامر” ناقدا، وأستاذا ناضل على درب الكلمة المؤمنة بالأدب الجزائريّ على امتداد أربعين سنة، ثمّ الروائيّ “اسماعيل يبرير” ساردا من دم التميّز والحضور البهيّ، فالشاعر “عيسى قارف” بما تعد قصيدته من صدق، وآفاق الشعر الطارحة لألف معنى جميل، فتردفه القراءات الشعريّة المتباينة في الفترة الصباحيّة، وكذلك انتظم المساء في إحكام كان يبدو فيه التعاون جليّا، والإصرار على النجاح أقوى من مجرّد إرادة؛ لأنّه كرم أصيل متّفهم لحرية الكتّاب وراحتهم.. في السهرة أهدانا المنظمون سفرا إلى عمق التراث النايلي مع فرقة شعبيّة غنّت المدائح الشجيّة، يصاحبها الرقص النايلي الجميل يحفظه شباب لم تنسه الحضارة الفاتنة بمغرياتها جداول ماضيه المتدفقة في شرايينه، قلّدناه في نسخة غير أصيلة! عندما يغادر النوم أجفانك في ملتقى فاعلم أنّ الرِفقة بهيّة،وأنّ الأسئلة لها ما لا يعدّ من الأجوبة يدور بين المتحدّثين الممتلئين بأكثر من همّ، ومشروع، ومن قصيدة قادمة؛تتراقص على حبال المعاني، وتأويلات الكلام الضاحكة كم يجيدها الشعراء والكتّاب فنتذكر أصدقاءنا المشاكسين بفرادة تصرّفاتهم، ويشي بعض منّا بما لا يضرّ من الأسرار القديمة تخفيها بئر الذكرى، و المفارقات التي يكون موضوعها شعراء مع الأمن حين يوقفهم في بعض مراكزه ليلا لا يحدّهم خوف.. ألم يكونوا دوما ممّن بعث الحياة رُغم اليأس والدم قبل سنواتٍ، وهم يتحدّون التكميم والتخويف الذي تعرّض له الجزائريون؟ أو مع حبيباتهم اللواتي سكنّ أمانيهم وقصائدهم، حتى لتبدو كتب بعضهم روحا تختفي بين الكلمات إذا لا تناقض عيشهم ورؤاهم.. في الليلة ما قبل الأخيرة لم تضيّعنا خيوط المطر في طريقنا إلى “مسعد” التي تُغافل ليلها الهادئ بحضرتها، فقد احتضنتنا بالكرم، والبساطة، والمنح الذي يخاف كثيرون من إظهاره أمّا الجلفاويون فيتنافسون في إتقان تفرّده، هل أبكتني إشراقات السؤال أوجعت مريدا كم استعذب برزخا أفناه عن دنيانا و عيوننا أم أيقظت أشواقا تناسيت آلامها؟ لن أجيب فعليكم أن تكونوا شخصيات للرحلة الفاتنة…

 

 

*قاصة  من الجزائر

 

 

َ

اترك تعليقا