التشكيلات الثقافية في قصة “الباهية و الزين ” / خديجة مسروق
بواسطة admin بتاريخ 10 ديسمبر, 2021 في 06:28 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 254.

يعمد الكاتب أحيانا لتأريخ بعض الوقائع الهامة, ويقف على بعض المحطات الزمنية التي يراها قد ساهمت في تشكيل شخصيته .
الباهية و الزين” سلسلة قصصية للقاص جعفر رابح , تتوزع على عدة أجزاء( لم تكتمل بعد), يقوم الكاتب بنشرها على صفحته, هي أقرب للسيرة الذاتية منها للنص القصصي. أفرد لكل جزء منها عنوانا .
سنقوم في هذا المقال بمقاربة نقدية لأحد أجزاء ” الباهية و الزين “المعنون بـ “سيدي” .
بلغة بسيطة زاوج فيها جعفر رابح بين ماهو واقعي وماهو متخيل, ليبحر في عمق المجتمع الجزائري , و يقف عند بعض المتوارثات الثقافية و الإجتماعية لهذا المجمتع , على تعدد انتماءاته العرقية و الحضارية .
يتولى مهمة سرد الأحداث ” الزين ” الشخصية المحورية في القصة , والتي تتكلم باسم الكاتب ,حيث أوكل له مهمة رصد و رواية مختلف الوقائع التي حدثت معه ( ( الكاتب ) , خلال رحلاته و إقاماته في العديد من مناطق وطنه (الجزائر)) .
ومن المعلوم ان السيرة الذاتية في الأدب, تتداخل في صيغتها الخارجية مع بعض الأنواع التعبيرية كاليوميات والمذكرات , إضافة إلى المتخيل الذاتي.
“سيدي”  قصة مشحونة بالمحمولات الدلالية , التي تشكلت منها الخلفية الثقافية للكاتب جعفر رابح , الذي مكنته أسفاره من اكتشاف كثير من خبايا المجتمع الجزائري, وأيضا معرفة القواسم المشتركة التي تربط أفراد هذا المجتمع من عادات وتقاليد و ثقافات.
والكاتب هو جزء من المجتمع يؤثرفيه و يتأثر به, حاملا رسالة إنسانية ينقلها للقاريء عبر كتاباته . سواء كانت بصورة مباشرة أو مضمرة .
و لا أحد ينكر فعالية النقد الثقافي في كشفه للمعاني التي تتوارى خلف الخطابات الثقافية المختلفة, باعتباره احد فروع النقد يركز على ماهو غير معني في العرف المؤسساتي, من ظواهر و نصوص هامشية.
فكيف تتم قراءة الأنساق الثقافية في “الباهية والزين” , وفق رؤية تتلاءم مع النص, على ضوء أليات النقد الثقافي؟
لا يمكن دراسة أي نص أدبي بمعزل عن المعايير الثقافية والإجتماعية, التي ساهمت في بلورته ووجوده نصا متكاملا . كما انه من الثابت ان لكل أمة مرتكزاتها الثقافية التي تميزها, وتمثل انتماءها الفكري والثقافي والعقدي . كالنسق الديني والاسطوري والرمزي على سبيل المثال لا الحصر .
والنسق هو المحور الأساس الذي يقوم عليه النقد الثقافي وهو نظام من العلاقات, وفي الدرس اللساني يُعَبَّر به على النظم الإجتماعية, وما تشمل عليه هذه النظم فعاليات و أدوار.و يمكن للنسق العام أن تتولد من خلفه عدة أنساق .
وإذا عدنا إلى عنوان الجزء الرابع من سلسلة” الباهية و الزين “, الذي نحن بصدد قراءته و الموسوم بـ ” سيدي “, نجد العنوان مشحون بالدلالات اللغوية , إذ يأخذ المصطلح “سيدي ” عدة معان في الثقافة الجزائرية والعربية عموما , إذ يرتبط و كما جاء في القصة , بـالعالم التقي , و بالمعلم في الزوايا والمدارس ,
ثم أخذ معنى حديثا , فصار ينسب إلى كل ذي مال و جاه . واذا عدنا إلى الأزمنة السابقة, نجد الكلمة كانت متداولة في المجتمع العربي , وأبرز شخص ارتبط اسمه بـ ” سيدي ” هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . و هي كلمة تدل على الإحترام و التقدير , و المكانة التي يحتلها ذلك الشخص المنادى بـ ” سيدي ” . و قد وظفها الكاتب في هذه القصة , ذلك أن جد “الزين ” له من المكانة و القدر عنده, ما جعله يرفعه إلى مصاف العلماء والأتقياء. فكان خلال القصة يروي الزين عن شخصية ” سيده” الذي هو جده, دون ان يفصح عن الاسم الشخصي له .
إن النسق الديني الذي يشكل الهوية العقدية لكل أمة , له حضوره في نص ” الباهية و الزين” , حيث استلهم الكاتب بعض الأنساق المستوحاة من العقيدة الإسلامية , و قام بتوظيفها في نصه كـ ( السجادة . السبحة . ..) . بما يحملانه من قداسة , إذ يرمزان للعبادة و طاعة الخالق .
كما للنسق المعتقدي وجود بارز في النص . “نعيمة ” الشخصية النسوية الوحيدة في القصة, متزوجة من “عمار” تزاول دراستها الجامعية, لا تؤمن بالمعتقدات و الطقوس التي كانت تحدث داخل ضريح الولي الصالح المقابل لمنزلها. كانت تشاهد الزائرات للضريح يمارسنها , حين كانت تصعد للسطح لنشر الغسيل .
(يشعلن الشموع يتمتن و يمسحن بأكفهن على وجوههن في خشوع) , و كل واحدة منهن لها غرض من وراء ذلك . منهن من ترغب في الولد ومنهن من ترغب في الزوا ج, ومنهن من تريد الإطمنان النفسي والشفاء من الأمراض ودفع الشرور .
اعتقادا منهن أن أصحاب هذه الأضرحة, لديهم القدرة على تحقيق و تلبية أمنياتهن . فكانت نعيمة المثقفة تستنكر ذلك, وتردد في سرها ان (النافع الله , و المغني الله , و و الممسك الله ). وقد تضمن النص عدة اسماء لأولياء الله الصالحين الموجودة في بعض المناطق الجزائرية (ضريح سيدي السنوسي , وسيدي محمد و سيدي الهواري, وسيدي مبرو ك, و سيدي بومدين وسيد معروف و سيدي عبد العزيز ) .
وتعد تلك المعتقدات التي توارثتها الأجيال في المجتمعات العربية مرتبطة بالشعوذة و الخرافات .
وارتبطت الخرافة بالأسطورة, وقد استشهد الكاتب جعفر رابح في نصه بالنسق الأسطوري , من خلال اسطورة ” ميمونة ” المتداولة في الثقافة الجزائرية (ميمونة تعرف ربي و ربي يعرف ميمونة ) وهو مثال يدل على (النية في الأعمال وأيضا إلى قلة الحيلة ) .
و ميمونة كما جاء في الأثر , وقد ذكر الكاتب ذلك بأنها ( امرأة فائقة الجمال وقعت في حب الرجل العابد الصالح , الذي كان يعتكف في زاويته , و كي لا تفسد عليه خلوته و عبادته بجمالها , طلبت من الله أن يحولها نهارا إلى أمة ذميمة , حتى تبقى بجوار الشيخ تخدمه و تنعم بقربه إلى أن يأتي الليل … يعيد الله إليها جمالها ) .
إن التشكيلات الثقافية في النص الأدبي , تؤكد على ارتباط الكاتب بالمجتمع الذي ينتمي إليه , بما يحمله هذا المجتمع من قيم و ثوابت يراها أفراده من المقدسات التي لا يمكن المساس بها .
لقد حاول الكاتب جعفر رابح في سلسلته القصصية ” الباهية و الزبن ” معالجة قضية الإنسان في محيطه الإجتماعي . و ما يحدث للإنسان من مؤثرات , تساهم في تكوينه فكريا و ثقافيا .
القصة على بساطتها و سهولتها , تحمل بعدا حضاريا و فكريا , و ا الأنساق الثقافية التي تضمنتها ” القصة ” بصورها المتناغمة قد ساهمت في البناء الفني و الجمالي للنص.


اترك تعليقا