“يتألم البحر…فتتناثر شوقا ووفاء.. دموع الكورنيش” قراءة في المجموعة القصصية دموع الكورنيش، للكاتب رابح جعفر/ د فضيلة بهيليل
بواسطة admin بتاريخ 17 ديسمبر, 2023 في 02:55 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 533.

هو الشوق، طائر يحط على نوافذ القلب المشرعة لصباحات الحب. هو الشوق رفيق المحبين، دليل التائهين، وخيط رفيع يلف القلب فينسكب بغزارة الحنين. جميلة كلمات الكاتب “رابح جعفر” وهي تتغلغل بأعماق الروح فتفتش دون استئذان لتقول ما نحس، وهو يبث الكلمات روحا تسافر بنا إلى أقاصي القلب أين يسكن الشوق والحنين.

حين يكتب “رابح جعفر” فإنه لا يبحث عن غريب القول وإنما عن أقربه وأعذبه ليقدمه لنا طوق ياسمين يعبق عطرا مندسا بين وريقاتها، وإن كانت نصوصه تتداخل أحيانا مع صوته ومناجاته إلا أنها تشدنا لنقرأ فيها الحياة؛ حياة عذابات المحبين، صوت أنين المحرومين وعَبارات الشوق لدى المشتاقين، إنها ببساطة نصوص ولدت من رحم الشقاء فأبت إلا أن تتزين لنا بطوق الياسمين ذاك. رابح جعفر الذي قال إن “الكتابة لا تعني أن تسوّد كثير الصفحات ، الكتابة أن تكون مؤثرا بما كتبت مثأثرا به “، وهو يدرك معنى أن نكتب لأجل أن نحيا، ليكون لنا أثر ، لننير عتمة الطرق التي صارت تلتف حولنا في دروب معتمة عل كلماتنا تمنح شيئا من النور ومن مفاتيح أمل تسهل لنا سبل الحياة. هو القائل أيضا: “أكتبُ لأكون لسان الآخر ، أكتب لأكون صرخة من لا يستطيع الصراخ ، أكتب ليكون حرفي هو حديث من لا يعرف إلى الحديث سبيلا . “

” دموع الكورنيش” مجموعة قصصية مضمخة بالحزن وبالمشاعر المتناقضة التي يخلفها لقاء بحبيب أو رحيل قريب. نصوص لم يحاول الكاتب تجنيسها أو حصرها في قالب معين ، تاركا للقارىء متعة الاكتشاف وجمالية التلقي، يكتب دون أن يكبت قلمه أو يحاول تقديم تبرير، يكفيه أن ما كُتب بصدق سيعبر منافذ الذات والقلب ولو بعد حين ..

نصوص الكاتب “رابح جعفر” تراكمات بالذات ارتسمت على شكل “وخز في الذاكرة”، وألم جاهدنا كثيرا على كتمانه خوفا من سماع قلوبنا كلمة “موجوع”، ونحن نسدل ستار النسيان على نوافذ “الاعتراف” خوفا من “عودة نبض” خلناه توقف وصار مجرد “ذكرى” عابرة.

“دموع الكورنيش” تلك الذكرى الأليمة ، وذلك الحب الذي اختار له القدر نهايته “الوحيدة” التي لا مفر منها، نهاية لا تشبه أبدا ما خططا له وحلما به. هو “حب بين أجل وقدر” ظل يتأرجح بين مد وجزر، هاربا من “لعنة السؤال”، حب شبيه بحلم لكنه “لم يكن حلما”، كان حقيقة ابتلعا نهايتها بمرارة ، وفي تحدٍّ أقاما معا “الرقصة الأخيرة” لتظل شاهدة على حب لن ينطفئ مهما طال به الزمن. طيفهما نورسان يحلقان على بحر لا تجف مدامعه، وعلى “شمس لا تغيب” حكاياتها، هو “مسبحة بلا ذكر” كانت لتكتمل حباتها فيتذاكران معا كلمة ‘أحبك’ لولا أن قطع خيط خشوعها شفرة حادة فتناثرت حنينا على الكورنيش ..

يقول في قصة “مكعبات السكر”: “رحت أعد المكعبات واضعا إياها الوحدة تلو الأخرى بالفنجان و أستمتع بانحلالها داخل المشروب الأسود الساخن.. وقبل أن أمسك بالملعقة الصغيرة سبقتني ابتسامة رسمتْها كلمات جدّي حين كنت أجلس إليه عصرا. و قبل أن يبدأ في تحريك السكر بقهوته يقول:

-”يمكنك أن تميز الرُّومي عن العربي و اليهودي من طريقة تحريك السكر بالقهوة”.

و دون أن يتركني للسؤال قال  : :

-”العربي يحرك من اليمين إلى اليسار ، و الرومي من اليسار إلى اليمين”.

ثم يصمت فأسبق للسؤال و قد اعتقدت أن جدي استهلك كل الاتجاهات و لم يجد لليهودي أي اتجاه يحرك به قهوته فاسأله:

-” و اليهودي كيف يحركها ؟”.

يرسل جدي نظرته الحادة ككل مرة أقاطع فيها حديثه ويردف

-” اليهودي يطعن السكر طعنا”.(ص78)

ثم نعبر معه حلمه الذي كان يأبى على النسيان في قصة “لم يكن حلما”: “الدم ، النار ، العيون المفقوءة ، الجماجم المتكلمة” ، أكان حلما أم كابوسا ؟ قيل لك إن الأحلام كالصور المقلوبة تفسيرها عكس صورتها ، لكنك أبدا ما صدقت هذه الخرافة؛ فالسنابل اليابسات لم تكن سنينا مثمرة ولا البقرات العجاف أبدا لم تكن (…)؛ الدم ، النار ، العيون المفقوءة ، الجماجم المتكلمة . تذكر كيف احتضنتك الهياكل العظمية بدفء المشتاق ، كنت مطمئنا في حضنها و كانت تسألك عن فسائل الزيتون هل أثمرت ؟ عن أرض محروقة هل اخضوضرت؟”(ص56)، و قصص أخرى بالمجموعة تشدنا لنتابع البحث فيها عن سر سرد منسجم يعبر الوجدان.

هكذا هي نصوص الكاتب “رابح جعفر” تولد من رحم الحياة بعد مخاض عانى فيه رفقة أبطاله، فكانت تلك النصوص الموغلة في الحزن ، لكن بأسلوب جميل يأسر القارئ ويجعله يتماهى مع النص ، يحزن، يتألم، يغضب، يرضى، يبتسم، وفي كل الحالات يتفاعل معهم بصمت.

اترك تعليقا