قراءة في في رواية ” اسكندراني من بوسطن ” للكاتب المصري خليل الحداد / باسمة العوام
بواسطة admin بتاريخ 2 يناير, 2024 في 02:04 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 102.

عندما يكون الكاتب رساماً ، سيرسم لوحة جامدة ثم يبث فيها روح الحياة . كالغيمة تغفو في باطن الأرض ، سيخبئ ألوانها بين السطور ؛ و كالليل يكحّل عيون الأحلام . سيزيّن بالحروف سطوره . كالطيور تغني عندما تحتدم زرقة السماء ، سيعلو صوت شخوصه كلما ازدحمت الأحداث. سيقدم الواقع و الذكريات رموزا وإشارات في سرد أدبي تلعب فيه لوحته دورا محوريّأ في كشف تلك الرموز وتحليلها ، و العلاقة المتأصلة بين الرسم والأدب ، والمفتاح الرئيسي الذي يفك شيفرة الأحداث وتشابكها ويكشف أعماق الشخصيات ؛ فكيف لو كان الكاتب ليس فقط فنانا تشكيليا، بل كاتبا صحفيا ، روائيا وقاصا وشاعرا ، مفسرا لأجزاء من القرآن ومرشدا نفسيا وتربويا ، كما هو ” خليل الحداد ” كاتب هذه الرواية ” اسكندراني من بوسطن ” وراسم غلافها ؟! . ومن منا لم يسمع بمجلة ماجد للأطفال التي مازالت حاضرة حتى اليوم ، وأغنية ماجد المشهورة التي كتب كلماتها ولحنها ” خليل الحداد”؟ .

___ في هذه الرواية ، ومن الغلاف الذي رسمه الكاتب نفسه نبدأ ..

صورة بسيطة مجردة لشاب يضم فتاة إلى صدره ، يتوسطها عنوان _ قد يحمل شيئا من علاقات متشابكة بين المجتمعات والحضارات والثقافات _ ” اسكندراني من بوسطن ” . فمن هو هذا الاسكندراني القادم من بوسطن ؟ أم أنه أمريكي مولود في بوسطن وجذوره مصرية من الإسكندرية ؟ ما العلاقة بين الإسكندرية وبوسطن في حياة هذا الشاب ؟ ومن هي تلك الفتاة ؟ حبيبته ، اخته، صديقته ..؟ وهل هي اسكندرانية مثله أم أمريكية من بوسطن ؟ وهل هي الخيط الرابط بينهما ؟

__ نلج إلى الرواية لنقرأ تفاصيل اللوحة ونكشف أسرارها ….

نلتقي” بدر “( الاسكندراني ) ، بطل الرواية والشخصية المحورية التي تدور حولها الأحداث التي تبدأ بحلم يراه ” بدر ” وهو يقود دراجة تحلق به في الفضاء بجناحين ، وصوت الشبح الذي يأمره باستمراره بالمتابعة والمثابرة على دراسته وبحثه والسعي لتحقيق حلمه ؛ الحلم الذي كان بداية رحلته نحو تحقيق طموحه ، والطريق الشائك المزدحم بالمخاطر والمكائد والعقبات والصعاب .

فمن المدرسة التي تفوق بها وشاع اسمه منها ، بدأت رحلته بصدام مع أحد زملائه الفاشلين والحاقدين ” سيد الدكش ” الذي يحاول ضربه وإيذاءه، فيتصدى له ” أشرف سلامة ” بطل الكاراتيه، والذي تقوده الحادثة ليكتشف سرّ أمه وشقيقتها والدة “بدر” بعد فراق دام سنوات عديدة ، وأن من دافع عنه” أشرف “هو ابن خالته .

تتوالى الأحداث؛ وفي كل مرحلة يتلقى ” بدر ” ضربة قاسية ، لكن إيمانه وإصراره على تحقيق حلمه يجعله يجتاز المرحلة رغم قسوتها .

في الجامعة يتعرف على سارة التي تشاركه الوعي والفكر والطموح والمشاعر . يكتب كتابه عليها ويتفقا على الزواج بعد إتمامه لبحثه العلمي وعودته من” بوسطن ” التي حصل من جامعتها على منحة دراسية تؤهله لإتمام مشروعه وأبحاثه، لكن الموت يسبقه إليها على يد ” سكسوكة ” وعصابته .

في ” بوسطن ” يلمع اسم ” بدر ” بتفوقه ونجاحه ؛ وأيضا يواجه عصابات المافيا والإجرام ، ويبقى إيمانه وثقته بنفسه سلاحه الذي ينتصر به . يتعرف على” لورين” الأمريكية و “الفاتح” السوداني في بيت ” كارولين ” الذي يقيمون به جميعا ؛ ويكون سببا في اعتناق كارولين و لورين للاسلام . يرتبط بلورين بعلاقة حب طاهرة تقودهما للزواج بعد عودته بها إلى بلده الإسكندرية.

__أهم النقاط و الأفكار التي ذكرت ضمن سرد أحداث هذه الرواية :

قوة العقل الباطن عند الإنسان ورحلة الخيال في عرض الأحلام وتحويلها إلى واقع  الأحلام التي كان يراها البطل والتي ساعدته في تجاوز المحن ورسم معالم طريقه ) ؛ وهذا يذكرنا بباحث الأحلام المستقل ” دانيال أودليس ” مؤلف الكتاب الشهير ” بيان الحلم الواعي ” .

القرآن الكريم وإعجازاته والتمسك بالدين والمعتقدات الذي لا يتعارض مع العلم والبحث والتطور ، بل يفتح للمؤمن أبواب المعرفة ويضيء له الطريق ( ص62…

ذِكر الدكتور “زغلول النجار ” الباحث في الجيولوجيا وفي إعجاز القرآن الكريم . ص142… تناول فكرة الدين والزواج . ص 220 … كتاب ” زاد المعاد” الذي يتحدث في الطب النبوي . تأثير القرآن الكريم الكبير الذي جعل “كارولين ” و ” لورين ” تعتنقا الإسلام

التباهي بالعلماء من أبناء الوطن ، خاصة ، والتعلم منهم والسير على خطاهم ( مثل د. أحمد زويل، و د. مجدي يعقوب .. وغيرهم من أطباء وكتاب وشعراء ومشاهير )

الصراع بين قوى الخير والشر ، وانتصار العلم على الجهل ، ( نهاية ” سيد الدكش ” ، و” سكسوكة ” في مصر ، ونهاية عصابة الشر في بوسطن )

المرأة في المجتمعات المختلفة وتأثيرها وتأثرها بالمحيط. المرأة الحبيبة الواعية المثقفة ، رمز الوفاء والإخلاص ، والوفاء المتبادل والحب الخالد الذي لم يكتمل كما سارة و بدر . وكذلك الأم المكافحة والزوجة الوفية ونظرة المجتمع وتعامله معها كأم بدر التي حاول ” شكري ” استغلالها كونها أرملة وكيف قاومت وجاهدت وحافظت على كبريائها بين الثعالب والوحوش البشرية ؛ وفي بوسطن ” لورين ” المرأة المختلفة ومعاناتها وتأثرها بثقافة أخرى وانتمائها لمجتمع مختلف من خلال ارتباطها ب ” بدر ” .

العلم والتطور التكنولوجي : تأثيره في حياة المجتمعات وفي مجال البحث العلمي والاختراعات التي تواكب العصر واحتياجاته( ص205 / 206 … اهتمام ” بدر في مجال بحثه ، و في سعيه لتسجيل حلمه على CD . محاولة لتطبيق مبدأ علمي على أساس الأحلام )

حب الوطن والتمسك به ، والنهوض به على أيدي أبنائه العظماء ( عودة ” بدر ” من بوسطن برفقة زوجته الأمريكية المسلمة ” كارولين ” ) .

_ كل هذه المرتكزات والأفكار، جعلت من رواية “اسكندراني من بوسطن ” شبكة من خطوط ملونة ، نسجها ” خليل الحداد ” بإحكام مطلق ؛ جمع خيوطها من عالمه ومجتمعه ، من ثقافته ومعتقداته وقراءاته ، ممن يحيط به وما يؤثر بهذا العالم من تكنولوجيا واختراعات وتطور حضاري وإنساني ، ونقل الغايات والطموحات من عالم الأحلام إلى الحقيقة .

__” اسكندراني من بوسطن ” ، رواية اجتماعية تعكس رؤى متعددة ، تربوية ،إرشادية، دينية وعلمية ؛ وثقافات وبنى اجتماعية مختلفة ، مع التأكيد دوما على دور الدين والتقاليد والأعراف والموروثات في حياة الفرد والمجتمع ، من ناحية ؛ ومن ناحية أخرى ، هي مفاتيح لأبواب نفسية وتربوية ، علمية وتعليمية ؛ انطلاقا من رحلة الخيال ضمن عروض للأحلام التي تتحول إلى واقع حقيقي ؛ من خلال شخصية ” بدر ” ورحلته القاسية .

أبدع ” خليل الحداد ” في سرد أحداث روايته بأسلوب جميل ولغة سلسة تعتمد تقنيات السرد المختلفة كالحوارات ، الوصف والخيال ومايتضمنه من رموز ودلالات كما في تصوير الأحلام ، الاقتباسات( التاريخية والدينية : ص 112:” انشغل المقدم حازم بمكالمته، وبدأ بدر يجول ببصره في أرجاء هذه الكلية العريقة ، فقد قرأ تاريخها قبل أن يلتحق بها وعرف أنهامن المباني الأثرية، بناها الانجليزكمستشفى أثناء الحرب العالمية الأولى…..”.) ، الحقائق العلمية ، الشعر والغناء ( ص319.. الشاعر ابراهيم ناجي :” ومشينا في طريق مقمر/ تثب الفرحة فيه قبلنا / وضحكنا ضحك طفلين معا ….” ؛ كذلك ” أغنية الزفّة ص352 ) ، القصة القصيرة والحكم الاجتماعية المتوارثة وغيرها .

وفي النهاية تبقى عدسة ” خليل الحداد ” عينه المعلقة في قبة السماء ، تراقب وتصور وترسم ، ثم بقلمه يسحب الغيوم والنجوم من هيكلها لتتهادى فوق سطوره ، تجرّ الضوء من ثوب الظلام ، تصافح الألوان والخطوط وحبر الأقلام ، تضمّد جراح الحروف والكلمات ويلبسها توبا يستفز مشاعر المتلقي ويحفز بصره وبصيرته على التعمق والتحليل والكشف عن ذاك الإيقاع القابع في زوايا الروح ، والأفكار المختفية خلف ظلال الأماكن والصمت المتمدد في الحناجر ؛ ويتركه يرحل بين السطور يتخيل ، يتوقع ، يخمّن ، يرى الحقيقة ، ويشرد مع الأحلام . ثم ….

يبقى للحلم بقيّة .

اترك تعليقا