ما الجديد الذي سيُضيفه، قلم كاتب تونسي زائر للجزائر، ،أمام تراكُم العديد من الكتابات العربية عن بلد الأمير عبد القادر؟ ،هل سيجترحُ معجزةً ما أو شيئا مختلفا عمّا سبق وكٌتِبَ، أم أنه سيُكرّر، “الكليشيهات الجاهزة” و النمطية عن صورة الجزائري المَشُوبَة بالتعصب والعنف والُمفارقات؟
هذا ما حاولتُ اكتشافه،في كتاب الروائي التونسي “كمال الرياحي”(1973)، الموسوم ب”واحد- صفر للقتيل” الصادر عن منشورات المتوسط بإيطاليا عام 2018، والحائز على جائزة “ابن بطوطة” لأدب اليوميات –أبوظبي-دورة 2017.
الكتاب يقع في 249 ص ممن الحجم المتوسط،تصدّرته، مقدمة للناقد الجزائري “لونيس بن علي” مشيدا بتجرية الكاتب الجديدة ، في التعاطي مع أدب اليوميات، بوصفه جنساً أدبيا متفرّدا،صعبَ المِراس،لا يسْلَس قيادَه إلا لمَن امتلك لغة جارحةً وأسلوبا قوياً لا يعرف المهادنة أو لا يَهاب من المحظورات، سواءً تعلّق ذلك بالسياسة والجنس و الدين.
تمتدّ اليوميات عبر رحلة ، اكتشافيه، وسط العاصمة،دامت عشرة أشهر،-من أكتوبر 2009 إلى جويلية 2010- جاب من خلالها كمال الرياحي،الأحياء الشهيرة للمحروسة، الأبيار،بوزريعة، حيدرة، دالي براهيم..الخ؟
مكتشفا الكثير من الظواهر والحالات الطارئة ،خاصة ،وأنّ زيارته تزامنت مع اللقاء الحاسم، بين الجزائر ومصرفي أم درمان بالسودان،في الثامن عشر نوفمبر 2009، حيث اشتّد اللغط والتَّنابز الإعلامي بين الشعبين، وتصاعدت وتيرة الحقد والكراهية على نحو مثير يبعث على القلق والاضطراب.
في مثل هذه الأجواء الكئيبة، كتب “كمال الرياحي” يومياته،أو ليلياته على نحو دقيق، ذلك أنه كان يُؤْثر تسجيل يومياته ليلا بأحد الفنادق الباردة، بعد أن يؤوبَ إلى غرفته،آخِر الليل، بعد أن يئس من العثور على منازل سَكنية للإيجار، بعد رحلة مضنية، ذهبت سُدًى رفقة صديقيه الشاعرين الجزائريين “عادل صياد” و”بوزيد حرز الله”، بحثا عن مكان آمن، أكثر راحةً وهدوءًا، تتطلّبه عملية الكتابة وتستدعيه الضرورة القصوى.
تبدو العاصمة الجزائرية على حقيقتها، كباقي المدن الكبرى-حينما يزحف إليها الظلام، فتُزيح عن نفسها لباس العِفَّة والحشمة، لتترك المجال مفتوحا لسماسرة الرذيلة و ولصوص الليل ” يقول الكاتب:
” العاصمة، سقطت في أيدي المجرمين واللصوص، وتُجّار الدّعارة، والقوّادين، لا يجرؤُ على دخولها إلاَّ مشبوه”
تبدو أيضا حياة “الكاتب”، ملأَى بالنساء، والانتشاء بحضورهنّ الفاتن،فلاشيء، يُبدّد هذه الوحشة والعزلة القاتلة، ممّا يحدث حوله من متناقضات، غير كؤوس العَرق والسَّهر مع النساء في الجُنح الأخير من الليل؟
ومن الطَّريف، والحظ التعيس-يقول الكاتب- أنّ عاشقاته من النساء، كنَّ بلا أرداف، أو أنَّهن يمتلكنَ أردافا نحيلة ،لا تثير الرغبة لدى الرجال، من طالبي الجنس والشهوة؟
هكذا تتوالى يومياته على نحوٍ جريء ولغة صادمة، قلّما نعثر عليها، في كتابة اليوميات في عالمنا العربي، الذي استكان إلى الجاهز من القول أو انصاع –تلقائياً- إلى روح القطيع، مٌتّسِقاً مع و”المألوف” و”المُتَّفق عليه”.
كما يبدو الروائي، “كمال الرياحي” شغوفا بلذة المعرفة،ومُدمنا على القراءة، كطقس يومي غير قابلٍ للتأجيل، أو الإلغاء، مهما اشتّدت عليه الظروف وانتكست الأحوال،فلا عجبَ بعد أن يُنهي كتاباً في جلسة واحدة أو هو بصدَد قراءة كتاب آخر،ومن أمثلة ذلك قراءته للكتب التالية، خراف المَولي لياسمينة خضرة، يوم رائع للموت لسمير قسيمي، يوميات أنانيس نن، الكتب في حياتي لهنري ميلر،، الاستقلال الناقص لغازي حيدوسي، أَكَلَة الموتي لكرايتون، موجز تاريخ الأرداف لجان ليك هينيج…إلخ.
تتجلّى صور القلق والانتحار داخل أوساط الجزائريين، نتيجةَ تفاقُم الوضع الاقتصادي والاجتماعي الخانق،ما أدّى إلى انتحار 376 شخصا سنة 2009، بشتَّى الطرق والأساليب المُرَوّعة، وهي أعلى نسبة شهدَتها الجزائر في تاريخها، حسب جريدة “الجزائر نيوز” ، كما يذْكر”كمال الرياحي” في إحدى يومياته بمزيدٍ من الَّلوعة والأَسى، وَسطَ بلدٍ غنيّ بالثروات لا يمنح لمواطنيه بصيصاً من الأمَل والعيشَ فوق أرضه بعزّة وكرامة.
الكتاب، صِيغَ بأسلوب جميل آسِر، وكلمات صادقةٍ –تبدو في ظاهرها قاسيةً-لكنها تحمل في ثناياها حبّا كبيرا للجزائر، وشعبها، وكُتَّابها، المعروفين ممّن اقترب منهم الكاتب وجالسَهم عن كثب ، كالحبيب السائح ،الطّاهر وطار، واسيني الأعرج، فانبهرَ بثقافتهم العالية، وقدرتهم الفائقة على التنبُّؤ والاستشراف.




