استطاع الكاتب في هذه المجموعة القصصية أن يتحرى الأسرار الأسلوبية والمهارات الفنية التي جعلته يبدع في وصفه الألم والحالة الكارثية التي وصل إليها الغزاويّ بصفة خاصة وقطاع غزة ككلّ بصفة عامة عن طريق استجلائه ل 12 قيامة كما وصفها و أبدع في سردها وتلخيص كمية الوجع والحالة المأساوية التي وصلت إليها غزة .
في القيامة الأولى حاول الكاتب وصف المشهد الذي يتدرّج بالحالة الشعورية للانسان الذي يقبع تحت الركام وكان مثّله بطاقة تحمّل موزعة على خمس طوابق في كل طابق شعور يختلف عن غيره من المشاعر التي وصفها لنا الكاتب وقد تمكّن من استنطاق ذلك الزخم عن طريق أسلوب السرد فجلّى لنا هذا السلم الشعوري الذي صعد بإنسانية المتلقي وتفاعله مع كل حالة نفسية للقابع تحت الركام فعايشنا حالة الإنكار ,الغضب,المساومة,الإكتئاب و القبول كما جسدها لنا الكاتب في كل طابق.
ثم انتقل بنا الكاتب إلى القيامة الثانية ألا وهي تلك الفكرة التي ترسّخت في أذهان الشعب الغزاويّ أن كل مايملكونه من مال وبنين وأنفاس أخيرة من حياتهم هو لفلسطين فقط وهذا ما كان محفورا في ذاكرة الوجع لديهم ألا وهي ندبة فلسطين والجرح الذي ينكأ كل يوم في أنفس الشعب الغزاويّ
ثم يستمر الكاتب في تصوير المشهد فيقوم باستخدام مصطلح القفص , الطناجر الحزينة لتجسيد المعاناة التي يعيشها القطاع من تجويع وحصار وكان قد استخدم الحوار بمهارة واستعان بالوصف الدقيق للحالة النفسية كعادته لضخّ انسانية أكبر في نفس المتلقّي ثم تأتي القيامة الخامسة وقد عنونها بلعبة حجر ورقة ومقص وهذا كمحاولة منه لرسم مشهد يتسم بطفوليته واستذكاره لمظاهر كانت تميز الأسرة آنذاك وفيها إيحاء كذلك لما يعيشه الشعب من شتات نفسي راجع إلى عدم يقينه التام بما سيؤول إليه الوضع وكيف سيكون في قادم الأيام فكأنه يعتمد على نتيجة حجر النرد وضربة حظ تحدد مصيره
يتحدث الكاتب في القيامة السادسة والسابعة عن فعل المشي داخل القطاع وعن رمزية الجدار والبحر كذلك في صنع المشهد والتأطير للحالة التي ميّزت طريقة التعايش والعيش هناك أو بعبارة أخرى كيف يموت البعض وهم على قيد الحياة…
فكان المشي مقنّنا هناك لا يعبر إلا عن لحظة يسلم فيها الشعب هناك للموت
أما رمزية الجدار والبحر من منظور مجازي يوحي إلى الارتطام بواقع لا يقبل مفترقا للطرق إحداهما النجاة والآخر للموت بل هما طريقان يؤديان إلى نتيجة واحدة ألا وهي الموت
يواصل الكاتب الحديث في القيامة التاسعة عن البندقية باعتبارها شخصية فعّالة في خلق الإثارة الكافية لتجسيد المشهد بصوت صاخب كما هو على ظهر الواقع فكان لها ما تقوله وتهتف به على أرض المعركة .
أما في القيامة العاشرة تحدث الكاتب عن شخصية صلاح الدين وكان يرمز بها إلى الشعب الذي نهض ليكمل مسيرة البطولة والكفاح والجهاد في سبيل الله والأرض كما ترمز شخصية صلاح الدين إلى الفارس الذي يجيد فنون القتال والحرب وتخطيطه الجيد لقيادة الجيش وهذا ما اتسم به المقاومون هناك على أرض غزة بعد تكبيدهم خسائر فادحة في صفوف المستعمر
في القيامة الحادية عشر وصف الكاتب حالة المهاجرين الذين يقبعون في رفح وكانت قيامة أخرى لامتداد وجع آخر ألا وهو مسببات الهجرة وما تتركه من أثر في نفوس الشعب المستضعف هناك
في آخر قيامة يتحدث الكاتب عن شخصية عطيل وسنذكر في هذا التعليق أهم ما تتميز به هذه الشخصية التي أراد الكاتب أن ينهي بها قصته ..
ذكر شكسبير فلسطين في مسرحيته الشهيرة عطيل وهذا إن دل على شيء فهو يدل على دحض محاولات إنكار تاريخ فلسطين الثقافي والأدبي والمعرفي ووجودها كبلد بعدما استشهد الكاتب بقول واحدة من شخصيات المسرحية وهي إيميليا ليديسيدموفا حين قالت أعرف سيدة بالبندقية كانت ستمشي حافية إلى فلسطين وهذا ما يؤكد أن فلسطين كانت بلدا معروفا بنفوذه الثقافي والمعرفي في الأدب الغربي وأن لها تاريخها
إن شخصية عطيل من جهة أخرى تدلّ على الشجاعة والنبل والثقة التي أراد الكاتب أن يميّز بها شعب غزة ولكن من جهة ثانية كان عطيل شديد الثقة بالآخرين وهذا ما انزاح به حينما اصطدم أمام الأمر الواقع ويمكننا اسقاط هذه الحالة على خيبة الأمل التي أصيب بها الشعب الغزاوي تجاه تخلّي الجميع عنه في الوضع الذي كان لابد منهم أن يلتفوا حول القضية وينصرونها
قراءة في عنوان القصة :
دلالات البعث من الموت واستمرار الحياة :
إن رمزية قيامة عازر التي وظفها الكاتب في مجموعته القصصية كان لها دلالة واحدة لا غير وهي القدرة على تحويل الموت إلى حياة فعندما أقام يسوع لعازر من بين الأموات بدأ تتسلل داخلنا فكرة البعث وجلب حياة أخرى في الوقت الذي يبدو وكأن الأمر انتهى وهذا يدلّ على مدى إيماننا بربٍّ سيجعل من الموت حياة أخرى ببعث جديد وكذلك لهذه الرمزية إيحاء آخر يفضي إلى الإيمان بالخلود بعد الاستشهاد وهذا ما ذكره الله تعالى عن مكانة الشهيد كذلك .
قدسية العدد 12 في الكتاب المقدّس :
إن الأرقام في الكتاب المقدس لها دلالات ومعاني روحية مهمة نستطيع تحليلها لنفهم بعض الأسرار التي تربط الحوادث الدينية ببعضها البعض
إن الرقم 12 يحيلنا إلى تقسيم السنة إلى 12 شهرا وترتيب الليل والنهار ب12 ساعة بمجموع 24 ساعة لكليهما
وكما كان في الاعتقاد كذلك أن الرقم 12 يرمز إلى حكومة الله وإرادته وإلى القوة المطلقة والكمال وهذا ما يوازي كذلك قدسية العدد سبعة في القرآن الكريم من جهة والدّال كذلك على الاشباع الروحي والكمال المطلق
ومن جهة أخرى يذكر في الكتاب المقدس أن الله اختار 12 تلميذا أصبحوا رسلا وقاموا بنشر الإيمان في العالم ولهذا أصبح الرقم 12 يرمز إلى قادة الكنيسة الأوائل وتذكر الكثير من المصادر القديمة أن يسوع اختار هذا الرقم بالذات من أجل تجديد العهد وتوحيد الشعب المؤمن
خلاصة القول
العدد 12 في الكتاب المقدس يوحي إلى كمالات عديدة تمتاز أنها المحور والدليل على كل شيء وهو مثال روحي للقيادة والوحدة الشعبية وهذا ما يرمي إليه الكاتب في استجلائه ما يحدث في قطاع غزة وأن الوحدة والتكتل من ستبعث الشعب إلى الحياة والنصر من جديد



