رحيـــل .. ” الدكتورعبد الغفار مكاوي” : التعدد الابداعي والثقافي والنزاهة الفكرية .. / أسامة عرابي *
بواسطة مسارب بتاريخ 6 يناير, 2013 في 08:27 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1513.

يجسد لنا درس أستاذ الفلسفة المرموق والمبدع القصصي والمسرحي د. عبد الغفار مكاوي (11 يناير 1930 – 24 ديسمبر2012 ) مثلاً نبيلاً على القيمة والمعنى الكامنيْن خلف إخلاصه الكامل لمشروعه الفكري والفلسفي، والإعراض اليقظ عن محدثات المناصب والوظائف التي تنال من أخلاقيات الباحث وجدية توجهه ..
مقدماً لنا صورة ناصعة لصاحب العقل النقدي القادر على تأمين استقلاليته الذاتية ومسؤوليته الفكرية حيال كونية عصره وإنسانية إنسانه. لذا كان همزة وصل واتصال وحوار تاريخية ضرورية بين ثقافتين وعالمين: العربي والغربي، وجسر عبور وانفتاح نحو الآخر عبر ترجماته وكتاباته واختياراته في الشعر والفلسفة والفكر ؛ مما يشكِّل إعادة نظر في الأسئلة المطروحة منذ ما ندعوه بعصر الإحياء أو النهضة العربية في القرنيْن المنصرميْن وتقديم إشكالياتها وحقلها العام في ضوء جديد يجلو أبعادها ويعيدنا إلى جنيالوجيا جذورها، أي إلى نواتها الأولى التي لا تنفك تبزغ وتولِّد المفارقات . عندئذ يمسي بمقدورنا كتابة تاريخ آخر يحتفي بالتعدد ويؤمن بالاختلاف ويرى في ذلك كله نسغ حياة وبقاء.

من هنا لم يتوانَ د.مكاوي عن الاهتمام بتقديم أنضج ثمار الحضارة العالمية وتراثها الإنساني، وأن يغوص بنا عميقاً في لجج التجارب الحية والآفاق الرحبة ل هيجل وهوسرل وهيدجر ونيتشه وشوبنهاور وريلكه وهولدرلين وبريشت وفولفجانج شتروفه وتشيكوف وبراندللو، وثورة الشعر الحديث ومدرسة الحكمة والبلد البعيد والنور والفراشة وَلِمَ الفلسفة؟ والمنقذ قراءة لقلب أفلاطون، وأن يلفت نظرنا إلى أهمية الكشف عن البنى الأنطولوجية للوجود الفردي، وأن يزيح النقاب عن كون الحقيقة عند هيدجر هي الحرية على نحو ما لمسناه في فهمه العميق له وترجمته البديعة لكتابه نداء الحقيقة، وأن يميط اللثام عن الأواصر الوطيدة القائمة بين الفلسفة والأدب بعد أن رأى في كل أدب عظيم فلسفة، وفي كل فلسفة عظيمة أدباً، كما طالعناه لدى هوميروس وسوفوكليس ويوربيدز ودانتي وفولتير وديدرو وفلسفة عصر التنوير وفريدريش شيلر والمثالية الكانطية ودستويفسكي وهولدرلين وهيدغر وأبي تمام والمتنبي وأبي العلاء المعري وسواهم. غير أن أستاذنا د.مكاوي ألفى أن الفكر والشعر مرتبطان، وأن التحليل الفلسفي للشعر العربي المعاصر سيساعد على بلورة الاتجاهات الفلسفية التي أثَّرت فيه وفي العقل والوجدان العربييْن في الثلث الأخير من القرن الماضي . بيْد أن أصالة أستاذ الفلسفة القدير د.مكاوي تتجلى في قدرته على طرح الأسئلة وتوظيف الفلسفة في سياق نهضة تروم ردم الفجوة بين الوجود والمنشود .. بين الواقع والمثال، على نحو ما عالجه في في مقالته المهمة التي كتبها عام 1974بعنوان ‘خواطر عن مصر’، تعليقاّ على كتاب فولفجانج شتروفه الذي ترجمه باسم ‘فلسفة العلو’- الترانسندنس- وصدر عام 1975عن مكتبة الشباب قائلاً: إن الفكر المعاصر يضع الإنسان في موضع القلب من اهتمامه، فهل آن الأوان لكي نهتم بالإنسان بكيانه العيني الحي الدافئ بدلاً من الاختناق في قبضة المجردات الهابطة علينا من أعلى؟ كيف نوفق بين السر الذي ورثناه في دمنا من الحضارة القديمة وبين اللوجوس؟ كيف نناغم بين التراث والتقنية التي لا غنى عنها ؟ كيف نتجنب آفات الروح الغربية من ضياع الروح والانغماس في روتين الآلة والعمل وانكماش الضمير مع تضخم العضل، ونظل مع ذلك معاصرين ومستعدين لتحدي العصر؟ كيف نجانس بين قيمنا وآمالنا ؟ وهنا يجيب د.مكاوي بحسم ووضوح مؤكداً: ما زلت أذكر هذا البيت النادر من ‘فاوست الثانية’: ‘لا يستحق الحرية والحياة إلا من يغزوهما كل يوم .. في كل لحظة .. في كل فعل ..’ لكن كيف ؟ بالمشاركة .. فالحرية الحقيقية ليست حرية من أجل.. بل حرية لأجل .. لأجل ماذا ؟ ويكمل مشدداً: الحرية تؤكد التحرر من الباطن .. والمسؤولية هي صميم التحرر.. والاتجاه إلى مشكلات أمتنا هو لب المسؤولية .. والشخص الحي المشارك الواعي بتفرد لحظته التاريخية هو حامل هذا كله . إذن كان أستاذنا د.مكاوي حريصاً الحرص كله على ألَّا ينأى عن واقعه وألَّا يكون محايداً تجاه الإنسان وقضاياه . بل إنه سعى مُذ بدئه الأول إلى بلورة نظرة فلسفية تتيح له التأمل الهادئ والتقليب المستمر في بنيات عالمه وطبقاته ورقائقه كما فعل نيتشه في الأفلاطونية، مازجاً قلب الشعر وعقل الفكر بنظرة أخرى يُعَدُّ ‘الفعل’ أو ‘العمل’ عماد حياتها ومناطه سواء كان ذلك الفعل الذي يغير الوعي أو يغير الواقع أو كليهما على حد تعبيره . وظل في كل ميدان ومضمار دخل ساحته (القصة القصيرة .. المسرحية .. الشعر.. الترجمة .. تدريس الفلسفة.. دراسة الأدب الغربي) متملكاً أدواته، باحثا عن الحقيقة أنَّى كانت، أميناً لسؤاله الفلسفي الذي يرفض الوثوقية والإطلاقية ..تاركاً لنا نصّاً إبداعيّاً مفتوحاً ينقِّب عن ما يمنح الأشياء قيمتها ومغزاها .ألم يقل لنا: إن الغاية المثلى عندي أن يصبح الفن طبيعة حية كما تحاول الطبيعة أن تصبح فنّاً . حسبنا أن نجرب ونجرب .. أن نكون الأبناء الأوفياء لسندباد وأوديسيوس وفاوست وكل الحجاج لبيت المطلق . ولو عاشت لي قصة واحدة أو عمل واحد في ضمير قارئ واحد، فسأغمض عيني في النهاية وهي قريرة .. وسأقول لنفسي: لم يضع العمر هباء .ولعل ذلك ما دفعه إلى إصدار كتابه (النبع القديم ..لوحات قصصية) 2006، سلسلة كتاب الهلال، لينضم إلى قافلة إبداعه الأدبي الذي أهدانا من بستانه النضر الفريد سبع مسرحيات، وخمس مجموعات قصصية ،إثرمعالجته الشعر في صباه اليافع ونظمه بضعة دواوين قبل أن يُتم الخامسة عشرة من عمره، ثم انصرف عن الشعر تماماً في الحادية والعشرين (بعد أكثر من حب خائب لم يكتفِ برفضي بل رفض كذلك أشعاري) وفق ما يذهب، ولم يلبث أن حرق دواوينه هذه في نار الفرن على نحو ما رواه لنا في مقدمة كتابه ‘ثورة الشعر الحديث’. غير أن الشاعرية لم تغب عنه، ولم تفارق كتاباته كافة فانكب على دراسة الشعرالعالمي وترجمة بعض روائعه كما طالعناه في أسفاره المجيدة: سافو شاعرة الحب والجمال عند اليونان، للحب والحرية، أزهار من بستان الشعر الغربي قديماً وحديثاً، هولدرلين شاعر الغربة والاغتراب، ثورة الشعر الحديث من بودلير إلى العصر الحاضر، البلد البعيد، النور والفراشة مع النص الكامل للديوان الشرقي لجوته ..إلخ .. بل لقد عَدَّ د.مكاوي كتابة القصة القصيرة امتداداً للشعر الذي توقف عنه . ولهذا (كانت معظم قصصي دفقات تنسكب في ليلة واحدة وجلسة واحدة. مفاجآت كالبروق وسط سمائي الملبدة بسحب الاكتئاب والدرس والتحصيل). وقد قاده ذلك لا شك إلى محاولة التجريب في الشكل وتأصيله على نحو ما نهض به واضطلع في كتاباته الفلسفية التي صاغها في قوالب شعرية ودرامية عامرة بالمغامرة الفنية والجسارة الفكرية ومواصلة التقاليد التي عمد إليها رواد عصر التنوير العربي في الجمع بين الأفكار المجردة وقضايا الواقع العيني المباشر مُرسِّخاً لفكرة مُفادها (أن الفيلسوف يمكن أن يكون في صميمه فناناً وأديباً انتزع الفكرة المجردة من إطارها المحسوس وقنع بالنواة الجافة دون الثمرة الحية، وأن الفنان والأديب في حقيقتيْهما فيلسوف كسا الفكرة بالصورة الحسية وأحياها بالعاطفة الجياشة). لكن أستاذنا د.مكاوي يدرك ما بينهما من فروق فاصلة حيث (لكلٍّ طريقته ورؤيته ومنهجه بطبيعة الحال) (ولن يرضى الفيلسوف أن نجعله شاعراً أو أديباً، كما لن يسعد الأديب والشاعر أن نحشرهما مع الفلاسفة في نظام أو نسق فلسفي محدد .. ولكن المقصود أن التفاعل بينهما عميق وأكيد وإن يكن غير مباشر وشديد التعقيد، وأنه قد آن الأوان لرفع الحواجز السميكة وإزالة الأسلاك الشائكة التي طالما فصلت بينهما)…..و لذلك فإن د. مكاوي عندما يعرِّف الفلسفة يرى أنها (بالإضافة إلى الجانب العلمي المتخصص الذي لا غنى عنه .. هي قضية تحرر مستمر .. تحرر الوعي الذي يمهِّد لتحرير الواقع وتغييره وتنويره حتى يصبح مثل الجمال والحق والخير حقائق يحياها الناس ويعملون لها). الأمر الذي يلفت النظر إلى ماهية العلاقة التي يقيمها هذا التعريف وتجربته الحية في الفن والشعر بما يتيح للقارئ أن يتأمل الغائية الكامنة فيهما، وأن يلمح موقع الفلسفة من سؤال الفن والشعر جرياً على مأثور عادة جوته في نظرته إلى سبينوزا، ومالارميه في رؤيته ل هيغل، وماشادو في دراسته لبرغسون، وبورخس في إدراكه لشوبنهاور، وهيدجر في التفاته إلى هولدرلين …إلخ. وهنا يقول أستاذنا د.مكاوي في شهادته التي نشرتها مجلة ‘فصول’ المصرية في عددها الخاص عن القصة القصيرة: (ربما ساعدت الفلسفة بطريقة غير مباشرة على ما يوصف بالعلو والنظرة الكلية والقدرة على تحليل المشاعر والمواقف والأفكار والتركيز على ما يسميه بعض فلاسفة الوجود بالمواقف الحدية كالعذاب والإخفاق والفراق والموت والذنب . ثم يمضي محدِّداً مفاتيح عالمه ودوائر حركتها فيقول: (وأقول إنني قبل كتابة أي عمل قصصي أو غير قصصي أحاول جهد طاقتي أن يجمع ثلاث دلالات تعبر عن ثلاثة مستويات أو ثلاث دوائر متداخلة .. الدلالة الشخصية وإلَّا ما وجدت الدافع لكتابتها .. والاجتماعية وإلَّا فلمن أكتب ؟ والكونية وإلَّا فما قيمة عمل لا يفتح نافذة على المطلق، أو لا ينبعث منه شعاع ينفذ في ظلماته). لهذا جاء أدبه مفعماً بعطاء مترع بالصدق الفني والمسؤولية التاريخية والحس الإنساني المرهف الذي يقدم لنا لحظة من لحظات الوعي النادر بالذات وبالمجتمع وبالعالم وبعلاقة الإنسان بالأشياء المحيطة به، وكيفية تأسيس علاقة جديدة مع الكينونة والكائن وأيلولة الفرد إلى حضور في الزمان بما يعيد الاعتبار للذات الفردية في تعاملها مع الحياة في أبعادها اللانهائية في عصر التقنية والكليانية السياسية والاقتصادية وميتافيزيقا الموت المحايث لوجودنا العام .الأمر الذي دفع أستاذنا إلى اقتناص المفارقة من الموقف الفني والكشف عن الأسطوري في الحياة اليومية والماورائي في فضاء التجربة الإنسانية وانشطارها بين الواقع والمأمول. وبذلك استطاع في جُمَّاع كتاباته الأدبية أن يضع يده على طبيعة الأزمة العامة التي نعيشها ومغزى المأزق الذي شهده التطور الاجتماعي المصري في عقوده الأخيرة وانعكس بروافده على سيرورته السياسية وهياكله الرثة، كما تفصح عنها مثلاً مجموعته القصصية ‘أحزان عازف الكمان’ التي صدرت عن دار شرقيات 2006، وأهداها إلى صديقه الجميل الراحل ‘عبد الرحمن فهمي’ الذي كان يقرأ قصصه على أنغام العود والكمان. غير أننا نأخذ على قصصه مباشرتها وتوسلها إلى هدفها بنبرة عالية قائمة على السرد العليم الذي لا يدع فسحة للآثار المفتوحة والمتحولة كي تفعل فعلها في توليد العلاقات الداخلية التي يتعين على كلٍّ منَّا اكتشافها واختبارها . إلَّا أن هذا يتناغم وتصوره لطبيعة القصة القصيرة التي تقترب عنده من الشعر الغنائي والحوار المسرحي والمقال الفني، وقد تتسع للتقرير الصحفي والبحث العلمي والأرقام والحسابات الجافة، بل إنها قد تحتوي على رسوم توضيحية على نحو ما فعل الفنان المرحوم ‘يس العيوطي’ في إحدى قصصه المتأخرة . ولهذا ستظل القصة القصيرة فنّاً متجدداً على حد تعبيره .. تعبق بأريج الرومانسية وشجنها الأسيان وروحها الجسورة التي تجمع في إهابها بين المعيش والمحسوس اللذيْن يطبعان وجدانه بوهج الحب والتمرد، هاتفاً مع ‘جورج سامي غطاس’ في قصة ‘أحزان عازف الكمان’: ‘ليكن الأمر ما يكون .. لن أتوقف عن العزف ولا عن الحياة .. سأواصل وأواصل رغماً عن كل شيء’.. لكنه درس الرومانسية الألمانية وانفتاحها على الطبيعة والحياة على اختلاف صورهما وألوانهما ؛ مما دعاه إلى تكريس حياته كلها للحرية بمعناها الواسع أي بكل تنوعها وتفاعلها مع المستقبل، وفي ارتباطها بالمعرفة الخلاقة، وبناء منظومة ثقافية وفلسفية تستوعب الحاضر وتتجاوزه ليبدأ التحرير الكبير للروح وللذات البشرية والقبض على الروح المجردة . مفيداً من درس أستاذه الشيخ ‘أمين الخولي’ الذي انتظم عضواً في جمعيته ‘الأمناء’، عن أسبقية المنهج الأدبي لما عداه من مناهج عند تناول الظواهر الدينية والوجودية وما تنطوي عليه من نظرات جمالية وتصوير فني بما يسهم في تفكيك بنيتها والوقوف على أسئلتها المقموعة فيكافح المعرفة بماهية الوجود، وهي المعرفة الأساس التي تدعى من قديم الزمان باسم ‘الفلسفة’ . وعلى هذا النحو، راح د.عبد الغفار مكاوي يغترف من الأدب والفن في مظانهما المشتتة وعبر مدارسهما وتياراتهما المتعددة مؤمناً بأن (خدمة الحقيقة تتطلب أن يكون ما تنتجون أدباً جميلاً وصادقاً قبل كل شيء) وأن عدم إيماننا بمستقبل الفن والوطن والإنسانية (يساوي الكفر بالتقدم وبقدرة الشعب على الإبداع) مردداً دوماً بيت ‘هولدرلين’: (أما حيث يكون الخطر .. فتلوح كذلك أسباب النجاة) معقِّباً عليه بقوله: (وسننجو حتماً ما بقيت لدينا القدرة على الغضب المقدس على أنفسنا) .. وعندما هتف ‘هولدرلين’: (لِمَ الشعراء في الزمن الضنين ؟) ردَّ عليه د. مكاوي قائلاً: (لِمَ الحياة نفسها في الزمن التعيس ؟) مذكراً إيانا بقصيدة ‘هولدرلين’ الجميلة عن ‘الربيع الجديد’ (لهذا أحتفل اليوم بالعيد .. وفي المساء في ظل السكون .. تزدهر الروح حولي ولو جلَّل شعري المشيب .. مع ذلك أنصحكم يا أصحابي .. أن تعدوا للمأدبة الغناء والباقات الوفيرة والأنغام .. وكأننا شباب خالدون). بيْد أن أكثر ما يأسى له د.مكاوي أن جيله (تشتت بين الكتابة الحرة والدراسة والترجمة والإعداد لأجهزة الإعلام) حيث (حتَّم علينا قدرنا التاريخي أن يقوم الواحد منَّا بأدوار متعددة تَوزَّع في البلاد المتحضرة على أفراد عديدين) .. لكن ستبقى سيرته الفكرية التى أطلق عليها اسم (النبع القديم .. لوحات قصصية) من أثمن هذه السير وأمتعها في رحلته الشعرية والفلسفية واستشرافه الرسولي. ويتألف كتابه هذا ‘النبع القديم’ من قسميْن اثنيْن: جاء أولهما بعنوان ‘ من نبع الشعر’ مغترفاً من روح صباه وذوب طفولته التي ما برحت ترفُّ وتحلق كحلم لا يني يكشف عن حقيقته المحجوبة وعطشه الدائم للحياة وللحالمين من البشر من أضرابه وأترابه .. ناشداً قرطبته الوحيدة .. البعيدة لتشع بالحرية والعدل والصدق والأمل على بني وطنه. بينما حمل القسم الآخر اسم ‘من نبع العمر’ مقلباً صفحات حياته، متأملاً حصاد رحلته مستقطراً منه كل ما هو أصيل ومضيء، مفعماً بقلق البحث وأصالة السؤال الحي حين يصدر عن هموم فكرية جادة تتسلح دوماً بإرادتها العاقلة، محاولة استجلاء مغزى وجود حياتها كتحقق لا يرى ذاته إلا عبر سيرورة لا تنتهي ولا تكف عن إعادة النظر في كل ما يتخلق ويحاور مادتها الموَّارة بالحركة، رائياً هشاشة عالمنا الإنساني وما رَانَ ويرين عليه من عجز وإحباط وخيبات أمل أعاقته وجيله عن تحقيق أحلامهما المرتجاة، متوسلاً إلى ذلك بحس للسخرية عالٍ ودال. غير أن د.عبد الغفار مكاوي أفاد في ما كتب وشيَّد من أبنية ورؤى، من عدد من قصائد الشعر الألماني مأنوسة بقصائد متفرقات ل شارل بودلير الفرنسي، وسلفاتور كوازيمو وأنجاريتي الإيطالييْن، وهوجوفون هوفمنستال النمساوي .. فضلاً عن رواية ‘أحمس بطل الاستقلال’ للمرحوم عبد الحميد جودة السحار، وزيارات عَادَ فيها رفيقي عمره والجمعية الأدبية المصرية المرحوميْن عبد الرحمن فهمي وفاروق خورشيد ؛ فاستوحى منها جميعاً ما ألهب خياله وأشعل جذوة طاقته، ودفعه إلى رسم تضاريس لوحاته عبر رؤية تشكيلية جمالية تنتظم الذات ضمن لعبة مرآة تعكس حركية الفعل وانفتاحه على العالم . . فقدَّم لنا متتاليات قصصية تخلّف الكثير من الظلال المنداة بروح المكابدة الصادقة التي تمتح من نبعه القديم (النبع الذي يسميه الناس حيناً بالعين الضاحكة، وحيناً آخر بالباكية، وإن كنت أنا أفضّل أن أسميه النبع وحسب لأنه يفور من قلب الأرض الغني بالأسرار) وفق ما يذهب إليه. من هنا ؛ غدت هذه اللوحات أوالنصوص السردية استدعاء وتقصياً للأصول، ومحاولة اكتشاف للطرائق أو الأشكال التي أرسى بها علائقه ووسم بميسمها كينونته. الأمر الذي حدا به إلى اصطفاء السرد حيث العالم كما يقول كلوسوفسكي شيء يُروى .. حدث مرويّ لا يوجد إلَّا في السرد وبه .. وما الدين والفن والعلم والتاريخ إلّا مظاهر متعددة من التأويلات، أو بالأحرى أشكال متنوعة من الحكاية ذاتها . عندئذ ما فتئ يتذكر سنوات يفاعته وتكوينه الأول وعيشه في جزيرة الروضة وعلاقته بأبيه وأمه وتوءميه وسيره من مسكنه إلى شارع البحر الأعظم وإصغائه إلى صوت غناء يطرق سمعه من جهة النهر وعبوره الجسر أو المعدية البدائية التي بناها الأجداد قبل أن يولد والتداعيات التي أثارها الجسر الحديدي والأسمنتي الجديد الذي حلّ مكانه، وتقليب النظر وإنعام التأمل في ذلك الصبي الذي كان يحمل يوماً اسمه بعد أن تخلى عنه الشعر وهو بعدُ في الحادية والعشرين من عمره متورطاً على حد تعبيره في المتاهة التي شدته إلى المحكمة (فتهت منذ شبابي الباكر في صحراء العقل المجرد) إلا أنه (كلما لاح سراب من بعيد جريت نحوه وتصورت أنه واحة أستظل بها وأستريح من وهج القيظ ومرارة الحرمان فأحاول أن أرجع إلى النبع المنسي) أي( النبع الأصلي الذي كانت تشغلني عنه المهنة التي تورطت فيها ولقمة العيش التي لم يكن منها مفر وزحام المعرفة والثقافة الذي كنت مضطرّاً للمشاركة في أسواقه الصاخبة) فعاد إلى نبعه (الطاهر النقي) كي (ينهل منه ويغتسل من رماد العالم ويجد ذاته الضائعة) أي أنه يجد خلاصه في الفن عبر كتابة قصة أو مسرحية أو خاطرة أو مقالة فنية أو لوحة درامية قادرة على استنطاق المساحات البيضاء على الورق محتشداً لها كما أخبرنا من قبلُ (بالصدق مع النفس .. بالحضور والامتلاء .. النضج والاستواء .. وتسعفني قراءاتي السابقة وربما تسللت خفية لما أكتب .. ونظرتي الكونية المفعمة بالشجن وخيبة الأمل .. وروح التفلسف التي تتسلل إلى بعض قصصي وإعارتها جناحاً تحلق به قليلاً فوق تفاصيل الواقع أو تغوص في قلبه). وبذلك أمست أوراقه هذه تدويراً لأسس رحلته الفكرية وحرثاً لدلالاتها، وصولاً إلى لحظة الانكشاف أي البوييسيس بالاصطلاح اليوناني القديم منضمة إلى نظائر لها وأشباه صدرت له مثل البلد البعيد ومدرسة الحكمة وشعر وفكر لتجمع في الآن عينه بين الفكر والعاطفة .. الفلسفة والفن، وأن تبين (للقارئ أن التذوق والتأمل كليهما لا يستغنيان عن الحب والتعاطف والمشاركة) وفق ما يذهب إليه في تقدمة كتابه ‘شعر وفكر’.وظل د.عبد الغفار مكاوي وفيّاً لرومانتيكيته التي عاش في كنفها ردحاً من الزمان طويلا، وأخذت تطبع كتاباته بطابعها مسوِّغاً ذلك بـ (الإحباط الدائم وخيبة الأمل المستمرة وغيبة الحرية واضطراب الظروف التاريخية والاجتماعية التي جعلت الحزن والحلم المستحيل إطاراً وجدانياً عاملاً له) أي لجيله مما تجاوبت أصداؤه وعلت نبرته في غير مكان وموضع ؛ حيث (المرض والتجاهل وخيبة الأمل) في لوحة ‘الصبي الذي كان يحمل اسمي’ ..(ومواجهة الغدر والتجاهل والإهانات الصريحة والخفية) في لوحة ‘القارئة الحجرية والمومياء الحجرية’ .. (وعانيت من الهزائم وخيبات الأمل في العمل والحب ما لا تقاس به النجاحات النادرة والضحكات القليلة المغتصبة) في لوحة (الزمان زماني) ..على سبيل المثال لا الحصر، ومن معطف الرومانتيكية جاء تعرفه إلى فيلسوفيْن أثيريْن لديه هما: شوبنهاور ونيتشه . لكن أهم ما يسم د.مكاوي بحق هو روح التجرد والإنصاف والنزاهة العقلية ونظافة الوجدان مهما تكأكأت عليه المحن والأرزاء، ناهيك عن وفائه النادر لرفاق رحلته المجيدة: د.شكري عياد وصلاح عبد الصبور وعبد الرحمن فهمي وفاروق خورشيد وبهاء طاهر ويوسف الشاروني ود.نعيم عطية .. وهو درس غالٍ وثمين لأجيالنا الجديدة راجياً أن تقرأ في ضوئه لوحة ‘الجسور’ في هذا الكتاب الثري بالنظرات والدروس المستفادة لتدرك مغزى عبارة نيتشه التي اقتبسها أستاذنا الكبير من كتابه (هكذا تكلم زرادُشت): ما الإنسان إلا شيء ينبغي تجاوزه، فماذا فعلتم لكي تتجاوزوه ؟ الإنسان حبل مشدود بين الحيوان وبين الإنسان الأعلى .. حبل ممتد فوق هاوية .. معبر خطر .. مفترق طريق مخيف .. وأعظم ما في الإنسان أنه جسر وليس هدفاً أو غاية) .. وكذلك لوحة ‘هذا البلد مكاني .. هذا الزمان زماني ‘ لتقف مليّاً عند سطوره التالية: (إذا بقيت في هذا البلد فافعل أقول افعل ولا أقول تكلم وإذا تكلمت أو فكرت فليكن كلامك وفكرك دليل عمل وخطة فعل وتغيير وتحدٍّ لصور التخلف ومسوخ القبح، وإذا غادرته إلى بلد آخر ربما لا تشعر فيه بالغربة التي حاصرتك في بلدك فأنت تحمل شئت ذلك أو لم تشأ- أثقال تاريخه وألواح قيمه ـ المظلومة المهدرة- في دمك وتضع بلورته الصافية نصب عينيْك دائما فتزداد حبّاً له وقرباً من روحه وحقيقته) ثم لوحة ‘الرجل الصغير، والبدء والمصير’وفيها دعوة صادقة للخروج من الأزمة التي تُحكم الخناق على رقابنا وذلك بالعودة إلى (الإنسان العادي أو الرجل الصغير) الذي لا يحدده د.مكاوي (بالطبقة الاجتماعية بل بالانتماء للأرض والتاريخ) مطالباً إيانا ب (التوجه إلى ضميره) واتخاذه (مقياساً ومعياراً وميزاناً) و( التطهر من تجاهلنا له وآثامنا في حقه وحق ما نسميه بالفكر والعلم والتعليم والفن والأدب والثقافة) فربما يكون ذلك (بداية الطريق للعودة إلى ذواتنا الحقيقية التي لن تجد نفسها إلا عندما تتوحد بهذا الآخر العزيز وتلتحم به في ‘نحن’ واحدة صلبة متماسكة) وما أحرانا أن نعي ونتدبر ذلك إذا كنا جادين حقّاً في تأسيس تاريخ مغاير يعمد إلى بناء مستقبل لا ينهض على منطق التماثل والتجانس.

2013-01-04

 

 

 

 

—————————————————————————-

* أسامة عرابي  (كاتب وناقد من مصر)

اترك تعليقا