” إلى البحرِ أسعى ” ..
بمناسبة مرور خمسين عاما على استقلال الجزائر/ منى حسن محمد .
************************
مشيتُ إلى البَحْرِ كي أستريحْ
كي أُغرقَ البوحَ في لُجةٍ هادرةْ
مَشيتُ إلى البَحْرِ..
كي أغسل الروح من رغبة بالكتابةِ
ظلَّت تحاصرها بالسؤالِ
تقاومُها حُجةٌ خاسرةْ !
مَشيتُ إلى البَحْرِ كَيْ أَسْتَرِيحَ،
وكي أُوُقِظ الشاعرةْ
مَشيتُ إلى البَحْرِ
يمَّمتُ حرفي بهاءَ لآلئه السَّاحِرَةْ
تَسامت حُروفي
تساميتُ كُوني
تَنادتْ حُروفِي
تناديتُ كُونِي
تشظَّت حُروفِي
تشظَّيتُ كُونِي
أرِيقِي جُنونِي
عَلَى حَدِّ قافيةٍ آسرةْ
وكُوني..
قصيدةَ عِشقٍ لأجلِ الجَزَائرِ
كُوني: (جميلةَ بُوحيردْ)، مُلهمةً للحَرَائِرِ
إلياذةً من دِمَائكَ (مُفدِى)
عَلَى رَسْمِ تَارِيِخِهَا قَادِرَةْ
تناديتُ كُوني..
على قَدْرِ أَهْلِ الجَزائرِ
منْ أقسَمُوا مُنذُ مليونِ نَزْفٍ
على صَوْنِهَا حُرَّةً طَاهِرَةْ
تَناديتُ كُوني
قصيدةَ عشق لأجلِ الجزائرْ
تجلَّت حُروفي، تَنَادت وصلَّت
صَلاةَ ابتهالٍ، لعلَّ المعاني تصير شراعًا
يسوق يراعًا،
يجوب بحارًا
لآلئُها تشتهي أن تعلَّق خمسينَ نجما بجيدِ الجزائرْ
تجلَّت حروفي، تَسَامَتْ وصَلَّتْ
لتكتب شعرا لأجلِ الجزائرِ
لكنَّ شعرا بمعنى الجزائرِ
هيهاتَ أن تحتويه اللغاتُ،
فكلُّ اللغاتِ بدَت قاصرة!
فعذرا..
إذا قصَّر الحرف عن مطمحِ الشاعرةْ!
وتبقى الجزائر سيرةَ فَخْرٍ بِسطرِ العُروبةِ،
ناراً،
لأعدائها قاهرةْ..
وتبقى الجزائر فينا ارتسامًا مقيمًا
لعشقٍ تليدٍ
يُراوحُ في القلبِ، والذاكرةْ
هنيئا لها العيدُ،
إذ تحضِنُ اليومَ خمسينَ شمسًا
على أفْقِ آلائِها الباهرةْ
هنيئا لنا، ولكم
هذهِ اللحظةُ الماطرةْ
******************
لأحرفى الشّرف أن تكونَ ثمرةَ زخَّة عطِرة من غمامٍ هلَّ على مرعانا هذه المرَّةِ ، ولريشتى التِّيه والفخرُ أن تمرَح فى لوحةِ البياض والخضرةِ والحُمرةِ ، والفضلُ عائدٌ على ذاتِ المزاجِ الفنِّى والعروبة الرَّقراقةِ ، والسَّمتِ المشرقِ ، والوجه الباسمِ ؛ أديبة السودانِ الحرَّةِ منى حسن محمّد ، رعاها الله ..
لم أتمالك نفسي وأنا أخطو على خطاها ، وقد تقمَّصتِ الجزائرَ برُموزها وطينها ودم شهدائها ، والثورةَ بعنفوانها وعنادها ، والاستقلال وأَلَقِه ، وبتعداد ذكرياته الخمسين ، كانت تتماوجُ ثمِلةً بثمالةِ النّصرِ الموزَّعِ فينا أشتاتاً ، المشِعِّ ديمومةً على امتداد عتقه وتجذّرِ عشقِه ! وكأنَّ كل ذكرى تشحذ الانتماء ، وتصقل الوطنيَّةَ ، كما يتنامى الموجُ من قاع الأعماق رغبةً من فكاك وتقلّب فى الانعتاقِ ، ثمّ يغور بمعنى التحديث والتجدّد والمفاعلة والمباغتة والتوثّب ..
كان انهزاماً جليلاً منتصراً ، وعجزاً متوَقَّعاً محموداً، وهروباً جميلاً رائعاً أن تلوذَ شاعرةٌ بتلك البادية الزرقاء ، بحثا عن عالمها المأمول ، وفردوسها المفقود ، لتطلق لاعجَ بوحها المترامي في متلاطمَ من الصور والشجون والآمال والذكرياتِ ، وتغرق أهلها ونفسَها فى مجدِ ملحمةٍ صارت مثالاً يُحتذى ، وتاريخاً تدارسه الشعوبُ وتذاكره الأمم …
تَسامت حُروفي
تساميتُ كُوني
تَنادتْ حُروفِي
تناديتُ كُونِي
تشظَّت حُروفِي
تشظَّيتُ كُونِي
أرِيقِي جُنونِي
عَلَى حَدِّ قافيةٍ آسرةْ
وكُوني..
قصيدةَ عِشقٍ لأجلِ الجَزَائر
فلو لم يكن إلا هذا المقطع لكفاها المقالةَ والامتياز ؛ وهي تنتح أنشودةً حالة إخراج الشاعر المصاب بجمود الفيض لصدمة أو لهول أو لاستمناح لحظات التجلّى ، ثم جرّها عنوةً في مصبّ الإلهام ، وعادةً ما يكون ذكر هذا السبب هطول ما بعده من المعانى ، وهو تعذّر الشاعر غير المؤرجَحِ لعارض المكاشفة بين استقبال وابل الفيض وتباطئه عن التصوير والإدلاء ، وحتّى وإن التبس عليّ الضمير المؤنَّث في قولها كونى أهي ذات الشاعرة أو لآلئ البحر أم القصيدة أم الحروف ، وهي الأرجح عندي ، فإن جميع ذلك يصبّ فى معنى دعوة كينونة القصيدة بعد مرحلة السمو والتنادي والتشظِّى .. وأروعه هذا الحبك الخاطف المركَّز والذي لانجد فيه منزعاً آخرَ أو فراغاً يفصل بين الشاعر وحرفه ، وهذا الأمر أراه بمنزلة كن فيكون فى الخلق / وله سبحانه المثل الأعلى / وليس الأمر للرجاء والطلب والتوسط .. وراعنى روعةً شدّة توصيف الأزمة فى هذه الدفقة الخلابة بين السمو والتنادى والتشظى وجاء تركيبها بالمفاعلة ( تساميت ) لإثبات وجود الشاعرة كردة فعل وتداعٍ لداعى الانهيار ، فكانت الثورة والشمس والشاعرة فى مصافِّ واحد ( الانفجار ) ، والنتيجة هى الحياة ، لذلك فالتصوير ليس لتكرار الذكرى ، وتعدادها بحتميَّةٍ تاريخيَّةٍ ، إذ التاريخ إعادة لكل شيء ، لكن معنى التذكير والاعتبار والتأثير بمثل هذه الهزّة .. ويعجبنى إعلان الحروف خصائصَها وتهيئتها على هيئة التجاوب لهطول الصورة المضاعفة ، فالانفجار العظيم الذي تمثّله الشمس هو على هيئة الانفجار الأول الذي امتثل به الوجود بكن ، وهو انطلاقة التبعثر من السديم وهو التشظّى المحاكى لانقسام الخليّة وانشطار الذرّة ، أليس عبارة (تشظّيت ــ كونى ) مدعاة للتأمل من حيث كون الحروف رتقاً فى بوتقة العيّ أو التأمل والفكر والتصوير ، وتشظّيها رحلتها البرقيّة والضّوئية في استلام معانيها قبل تخلّق جزئياتِ الصُّورةِ وتسميةِ أحكامِهَا ، وسفرها فى الخيال كتسابق الحيامن قصد التعشيش والإخصاب .
،إن احتفالَ الشَّاعرةِ فى نصِّها لهُوَ إعادة صنعِ الحدَثِ بنفيره وباروده وضوضائه وقصفه وزغاريدهِ ! * إذ كانت معطياتها ما ردده التاريخ على مسمعها في مراحل عمرها قراءةً وسماعاً ومشاهدةً ، وكانت لحظات تأزّمها أو سنينها هى امتلاؤها بكل تلك المعانى والمشاهد الخصيبة ، دون أن تجد فى نفسها مشاركةَ هذا الداعى اللحوح المضنى ، لذلك اختارت هذه الدخلة التحليليّة فى هزِّ مضمون البحرِ الزاخر ، وهى ضرب من الشكوى معروفة فى سنن الشعر فى القديم والحديث ، ورغم أنها شرحت فى مقدَّمة الكلام سبب هذا الانهزام أو التنازل / كي أُغرقَ البوحَ/ كي أغسل الروح/ كَيْ أَسْتَرِيحَ/ وكي أُوُقِظ الشاعرةْ/ مَشيتُ إلى البَحْر …يممت حرفى بهاء لآلئه الساحرةِ
إلا أنه استثناء فى تكنيكِ الوصفِ الذى يُعَدُّ من صميم المحنةِ ذاتها وليس مجرَّدَ بداية كلام نستطيع حذفها والاستغناء عنها ، لذلك نجد هذه الخاصيّة امتدت فى النص عشرةَ سطور.. وربما لأنها تحسّ أنها حالة فريدة خاصّة اختصّتها بهذا الاستغراق ، مغايرةً لحالات كحالة الشاعر القروي قائلا/ .. زارك اليومَ صبّك المستَهامُ ، إذ كانت حالةً عادية كثيرة الحدوث ..
إن الانتصار هو إعلاء كلمة الحق وتمكينها بعد مرحلة التراجع والفتور لأسباب هى فى نواميس الحياة دولة وتعاقب ، وموقف اختصّ به أهل الصدق النجباء ، ليعيدوا الأمور إلى نصابها بمقتضى العدْل ، وهو ثمرة الصراع المرير فى مسيرة النضال وتاريخه .. وتفسيري المتواضع لهذه الظاهرة اختيار الشاعرة الحدث فى المظهر الجلى لمعنى الاستقلال ، فاليأس من الإدلاء فى قضية ما مع طول أمد الانتظار على رغم تمام المادة وتخمّرها محنةٌ قد تلهي باطن الشاعر وتُغفِله وتعكس انتباهه فى انتظار جلائها ، مناظرة بزمن الاحتلال بالنسبة للأمة ، وما فيه من وأد الكلمة الأم ، والحريّة معنى افتكاك الحق بالقوّة نفسها المأخوذ بها ( بقانون الفعل وردّة الفعل،والهزةوالارتدادية )
وقد طال أمد إدراك هذه الحقيقة فى الشعب الجزائرى ، على غرار كافة الأمم والشعوب التي يعج بها التاريخ .
قد استبدّ بى هذا النصّ بحالة من ذهول عن أخصّ الخصائص ، ولا أدرى ؛ فقد أكـــون صبيّا لا يعي فى تلك الحلقة العارمة خلا خوفه دوى الانفجار ورائحة البارود .. وما أجملَ أن يحتفل الذهن فى ثوانيه احتفالَ أمته بسنينها ببعث من أمثال هذه الشاعرة الثائرة !!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*- يعتبَر الاحتفال فى أعراسِنا تصرّفا أكبر درجةً من التمثيل ، لأن التمثيل صنع المشاهد بغية تصويرها كنسخة من النص المكتوب المتأوَّل من رواية واقعيّة أو خياليَّةٍ ، لكنّ الاحتفال هو صناعة مظهر الفرحة التى تكون موجودة فعلاً فى النفس ، وتؤدّيها ذاكـرة الجماعة فى انتصار الخير على الشر والفرح على الحزن والبقاء على الفناء ، لذلك تكون أدوات الاحتفال هى نفسها أدوات الحرب / فالسيوف ( وتؤديها المبارزة التى تتخللها الحركات البهلوانيَّة ) والبارود ورقصة الخيل ، وهزيم الطنبور ، بل الساحة التي تكون على شكل دائرة المتفرجين الوقوف والنسوة من خلف للزغاريد ؛ هى ميدان ضمنى لما ذكر ، ونستطيع توصيف ذلك بالنسبة لمفرقعات الموالد وشموعها ، ومن قبل كان الكبريت وغيره ، هو مظهر لانفعال النفس ونزوعها لمعايشة لحظة الفرح بصدق واكتناه أبعد صورة مما فيه من التجريب !
————————————————————————————–
* محمود عياشي (شاعر وكاتب من الجزائر )





أهلا أستاذ محمود ..سعدت كثيرا بمقالكم المتميز عن قصيدة الشاعرة منى حسن بمنتسبة زيارتها للجزائر..شيء جميل أن نرى نصها ينتج نصا نقديا آخر كالذي نقرأه الآن ..لك خالص تحياتي و بالتوفيق في ما يأتي من مقالات..