لكم هو محبطٌ أن تصل دور النشر لقناعة عدم طباعة الشعر والترويج له، لأنها في النهاية لا تُريد الخسارة، وطباعة الشعر بالنسبة لها باتت مغامرة غير مأمونة العواقب، ذلك أن الشعر لا سوق له ، وبالتالي فإن الديوان الشعري لا يُباع، ولا يحرص على شرائه أحد كما يُصرح أصحاب الدور حين يبررون لك اضطرارهم لتحميلك ثمن الطباعة كاملا، ويعتذرون أيضا عن التوزيع، ما سبب تفشي هذه الظاهرة، وكيف يعود للشعر بريقه المفقود؟!
في نظري أن المتلقي المثقف من كثرة ما جرَّحت ذائقته الدواوين الشعرية التي لا شعر بها، بات يحرص على أن لا يدفع ثمن ديوانٍ لا يستحقُ أن يُسمى شعرا، ويكتفي بالقراءة للأسماء التي يثق بها شعريا، أو المعروفة، والتي لا تكلفه عناء بحثٍ هو في غنى عنه، وفي ظل إيماني أن بكل عصر شعراء يستحقون حمل راية الشعر ، ونقش أسمائهم في ذواكر الذائقة العربية، أرى أن هذا يظلم الكثير من الشعراء الحقيقيين، الذين لا يجدون فرصة لإِطْلَاع الآخرين على نتاجهم الأدبي.
الأزمة تكمن في انتشار ظاهرة المتشاعرين، في ظل النشر المجاني والنقد والترويج المزيف أيضا.
أحيانا أقرأ مقالا نقديا عن ديوان جديد يتم الترويج له إعلاميا بصورة مكثفة، فأسارع للبحث عن الشاعر، والقراءة له، وغالبا ما تصطدم لهفتي بجدار الإحباط الرهيب، فأجد أن لا شعر ولا شاعر، لكن التصفيق والنشر المجاني يجعل البعض يصدق أنه شاعر، فيسارع لنشر ديوانه، ويقع في يد المتلقي الذي لحظَ تدني المستوى يوما بعد يوم، فتحول إلى متلقٍ ملول لا يتحمس كثيرا للشعر، ولا يرغب بصرف وقته وجهده وماله في ما لايستحق..
كان أبي رحمه الله يحكي لي كيف أنهم وفي فترة دراستهم بجامعة الخرطوم حين يصدر ديوان لشاعر سوداني أو عربي يسارع الجميع لاقتنائه، وحين يُحضر أحد الزملاء في الجامعة ديوانا من مصر أو الشام أو من أوروبا حتى، يُسارع الباقون إلى نسخه يدويا، في ظل عدم توفر تكنولوجيا النسخ كما هي عليه الآن، وكذلك بالنسبة للجرائد والمجلات، التي كانت تزخُرُ بكل ما يُثري الساحة الأدبية والوجدان الثقافي في أمتنا العربية، والتي تنفذ في الاسواق بسرعة هائلة..
كانت الثقافة غالية الثمن، والأقلام مسؤولة، والشعراء الحقيقيون تلمع أقلامهم في كل أرجاء الوطن العربي..
ظاهرةُ الميل أو العزوف عن طباعة وترويج الشعر ظاهرة هامة، يجب الالتفات لها، وتقع مسؤوليتها على عاتق دور النشر والنقاد، المؤسسات الثقافية الرسمية، والإعلام أيضا، فدور النشر عليها أن تحرص على طباعة ما يُثري الساحة الأدبية، لا ما يُشوهها، وأن تضع لجانا نزيهة لتقييم الأعمال الأدبية المُقدمة للطبع، وهذا يخدم سمعة الدار أولا، قبل الكاتب، وعلى النُقادِ أن لا يُروجوا لما لا يستحق، لأنهم بهذا يسيئون لأنفسهم قبل الآخرين، كما أن المؤسسات الثقافية في وطننا العربي باتت معاولا تهدم البناء الأدبي ولا ترفعه، فنجد وزارات الثقافة واتحادات الكتاب أيضا تساهم في نشر هذا النوع من الشعر الذي يُنفر المتلقي، ويُثقل كاهل الساحة الشعرية والأدبية، ويدفعها للانهيار، أيضا الإعلام في دولنا العربية، والذي يقوم في أغلب حالاته على العلاقات، عليه أن يكون أكثر وعيا وإنصافا، وحيادية، كما أن على الكاتب، أو الشاعر أن يقف مع نفسه طويلا قبل أن يطبع ديوانا، وأن لا يهاب عرضه على المختصين بالنحو والعروض (إن كان موزونا) ، فالمراجعة مرحلة تكوين هامة جدا يجب أن يمر عليها الديوان قبل ولادته، والديوان يظل بصمة في تاريخ صاحبه، فديوانٌ واحد يمكن أن يعلقك نجما على سماوات الإبداع، في حين أن هنالك من يطبعون عشرات الدواوين وتموت معهم مهما أحاطها بريق إعلامي كاذب، فالزبدُ يذهبُ جفاء.
أخيرا أقول لكل شاعر يرغب في طباعة ديوانه أنه: كي تضع قلمك على خارطة الشعر، عليك أن تصبر طويلا، وأن تكافح في ظل التلوثِ الرهيب الذي أصاب فضاءات الشعر، وحَجَبَ شُموسها..
………………………
* هذا مع الاعتذار للنقاد والإعلاميين الحقيقيين، والذين يرفعون أمانة أقلامهم فوق كل ما سواها..
منى حسن محمد – الخرطوم 10- يناير- 2013
————————————————————————–
* منى حسن محمد (شاعرة وكاتبة من السودان )




