تقاسيم على وجع النكسة …/ محمود عيشونة *
بواسطة مسارب بتاريخ 10 يناير, 2013 في 03:12 مساء | مصنفة في متعة النص | تعليق واحد عدد المشاهدات : 2545.

طلـع الفجـر .. أشعـلت سيجـارة.. و نفثـت دخانهـا في المرآة .. و حدقت في وجهي.. ينعكس عليها بكـل ذلـك الحـزن الليلـي و ينكسر .. و تساءلت في عياء تام .. ” كيـف لي أن أقضي ليلي ساكنا.. و ساهرا كانتــــا.. فيــــه عينــــاي مصوبتيـــن.. نحـــو جهـــاز التليفزيـون .. و الأعــراب.. خلانا يتفرجون متحدين.. و الصواريـخ ، فـي ركـض عنيـف و مستمـر.. فـي شـوارع و مساجــد العراق .. و أخـرى تتبـرج.. و تقصف حتـى المقعدين منا.. بحقد الطائرات.. و كيد المنتقم .. ولا تفتأ.. تدخل الزناة ديارنا.. في غزة .. الواحد تلو الأخر .. كي تبيع العرض العربي مجانا .. و مقابل ذلك ندفع لها بترولنا.. و دنانيرنا الذهبية … ؟ !
أي عالـم هـذا .. و أيـة جغرافيـة قذرة.. وضعنـا التاريخ فيها .. تساءلت من جديد .. إنقطع التيار الكهربائيـي فبهـت..و صرخـت .. ” أيـن أعيـش ” خلتُنـي فـي بغداد.. فازداد حنقي أكثر و التيار يعود.. لأنتبه فجأة.. على واقـع آخـر ، لا يقــل دراماتيكيـة عـن شـوارع العـراق.. و بيوتـات فلسطيـن .. لا حركة.. و لا أصوات.. عدا صمت بهيم.. يذِلُنا ويشيح..؟ !

تـرى كيــف كــان سيتصـرف ساستنا.. لـو هــي نفسهــا الصواريـخ ، بـدأت فـي الركض .. و الالتفاف حول أحيـاء.. و طرقـات مدننـا المعتمـة .. كيـف سيشاهد العالم مأساتنا إذن.. و لا كهرباء في المدن .. و هل نكون آذاك.. متحرقين لمائدة..وحليب..وخبز..؟ !

و دوى انفجار.. و هرعـت إلى الجوار.. أحتمي بمسكن و كوب ماء .. و شاهدت كتلة من النار.. و وابل من الشهب، تخترق سماء بغداد ، مطيرة في طريقها، أشلاء الناس و أرواحهم.. في ذلك الحي المسالم.. و الـراض بالنصيـب .. و مراسل يلف نفسه بالرعب.. و يحتمي بخوذة.. ثم يغرق في الظلام .. ! أطفأت جهاز التليفزيـون .. و تسللـت هاربـا مـن جحيم المشاهذة .. أحسسـت بالخزي.. و بلعنة من اللـه.. و وخز في رأسي.. و ضياع لا مثيل له .. و جثي على ركبتيه عجزنا العربي .. فقـررت أنـا المواطن الشعبي .. أن الوقت لم يعد مناسبا إطلاقا لفعل الحياة … !!

لـم أعـد أحتمـي فقـط .. بغشاء من خيال، إنما صرت مع الكل.. مذعورين من خوفنا المستمر .. خرجتُ للتو مـن صمـت الأنظمـة.. كل الأنظمة .. و وضعت فوق مرآة الشاشة العاكسة لهزائمنا.. رداء أسودا .. و دفعت بخوفـي إلـى قـرار سحيـق .. و خرجـت مـن بركـة.. أخالنـي غطسـت فيهـا منـذ الولادة .. بركة فيها الكلام…. و التمنـي.. و الحسـرة المريضة.. واغتسلـت تحـت شـلال الكبريـاء .. و فجـأة صـرت معجبا بحجمي ..و قد فاق الآلة الغربيـة .. قلـتُ لماذا و أنا بكل هذه الروح.. لا أتحدى مسيري الآلة.. و أسير في الشوارع العربية، أحثها على الاغتسال من قذارات الساسة و العمولة .. فكلنا يعني تعطيل أي قوة أخرى … ؟ !

ودوي انفجارآخـر.. و الناس أمام الشاشة مشدوهين لا يعلقون على شيء .. فقط اكتفوا بعيونهم و قد أطلقت لها قلوبهم العنان ، فهي تسيل حافرة على وجوههم خطوط حيرى .. قلت بعدما أدهشتني عواطفهم.. ” يا أهل المقهى ثوروا ، كفوا عن المشاهدة و الترقب الحذر و الوعيد.. و اجرفوا كالسيل كل غثاء .. ؟
يا أهـل المقهى عودوا إلي .. اسمعوا و ارجعوا عن تهويمات النفس البشرية .. لنعقد الصلح بيننا و لنترك هـذا الشعـب.. و قـد سجنتـه أنظمتـه دهـورا ، يخـرج و يتنفس حريته .. و لنجعل المقهى فقط.. لاحتساء الشاي.. و تدخين السجائر … !!
و تركـت المقهـى علـى أمـل أن يستجيب ، غارقا فـي صوت الانفجارات و نقيق المعلقين.. الذين أرسلتهم أنظمتهم ، في وفود رسمية بحثا عن السبق الصحفي.. و لا يهم إن كان ذلك مقابل موت الجميع..؟ !
فـي الشـارع سـرت وحـدي فـي مظاهـرة عارمة .. و في رأسي لافتة كتب عليها ” لا ” للحرب .. الموت للخصيـان .. لم تعجبني اللافتة.. و قد بدت لي عباراتها أقل قوة .. فمزقتها و كتبت أخرى ” الموت للحياد “

أعجبتنـي فكرتـي و تطرفـي ..و رحت في جميع الشوارع أسير ، منددا بالحياد .. و بيدي عمامة أحرقهــا .. و بالأخرى لوحة نقشت فوقها حروفا عربية .. ” النصر لنا .. النصر لنا … “

فـي مظاهرتـي ســرت وحـدي.. و كيفمـا شئـت .. تارة في موكب حزن .. و تارة في حشد غضب .. و تارة في موسم برد .. سرت و تظاهرت و لم أزل.. حتى لفظتنـي آخـر زاوية، عند آخر شارع في أحقر دشرة، لم يشرق فيها نهار الكهرباء .. و هدأت الأصوات و الاحتجاجات في رأسي .. و لم تعد تمر أمام عيني أرتال {{العسكر}} والآليات المدججة
متحدية قامات النخيل و دهاء الصحراء العربية .. ا؟

السمـاء زرقـاء إلى حد مدهش.. و النجوم تلمع.. و الليل يزداد هديـرا ، كلمـا اقتربـت من أجواء الشاشات في المقاهيـي .. و سرت في الدروب التي و ضعتني فيها الأقدار ، مواطنا أليفا من عامة الشعب .. يسكن حيث يسكن الناس الحقيقيين..ويمارس مثلهم.. حياته بصـدق .. هنـاك فـي قيعـان المـدن .. حيـث تترعــرع الحيـاة الأبديـــة.. و تتمخـض ظـروف الثـوارات.. لتلـد للعالـم كـل مائة عام، حقبة جديدة .. و عالم مغاير .. لكن.. مالذي ينقصني.. و مم أشكـو .. !؟ طرحـت سؤالـي علـى نفسـي.. فأجابتنـي السمـاء المدهشـة .. أن الجـو مناسـب لبدء الجد .. و الخروج من أجواء المشاعر، التي تحسسني بالدونية و التقمص و الردة .. !!

و أعـددت قلمـا و ورقة .. لقد ارتأيت أن أكتب إلى سيادتهم.. عريضة أشكو فيها، من إجحافهم في حق الشعوب.. {{أيها الساسة العظـام ..؟ ! و بعـد .. لقـد نسينـا مـن فـرط الدهشـة، أن نكتب إليكم منذ الزمن البعيد .. و خشية منا على ذهاب ملككم.. و زوال سطوتكم .. نحن الشعب العربي ، نوقـع بـدم أحاسيسنـا .. نحن خير أمة أخرجت للناس .. و إننـا بعـد إذنكـم لذاهبون، إلى كل سفارات العالم.. كي نضع أمام أبوابها .. طلقة.. و كأس حليب .. و ليختاروا.. و لتكونوا من الشاهدين .. !؟ « التوقيع أخوكم شعب

اللحظة صافية.. و السماء مدهشة بزرقتها.. و أنا قد ولجـت مـن الآن بحـرا، مـن الإنشداه.. لحالة الأمة ترقد في سكون مريع .. لقد سألني ذات يوم صديقي ” شعب ” كيف لا أستطيع أن أفرح و أنظم إلى قطيع الفرحين .. و قـلت لـه بغضـب مـن اليأس .. ” يكفيك يا صديقي أن نموت غما ” .. و مع ذلك أصر و قال .. ليتك تعلم كيف انهدم الإنسان .. فهو لا يرى نفسه إلآ قذارة بالية ، أو ماردا متكبرا .. ؟ لقد استمتعت بحوارنا العابر و القصير.. ذاك .. أه .. تلـك كانـت أمسيـة جزائريـة غضبـي .. سألـت شعـب . ” لمـاذا هي أما سينا كالحة .. و يبدو أننـي كنـت أستفـزه.. لأعـرف سبـب عزوفه .. ! في وجهه بدت الدهشة ، ثم العمق الكلي .. ” سر في خط مستقيم.. و ستكتشف مع الأيام .. كم هو ثمنك مرتفـع .. ؟ ” هكـذا نطـق بعمق.. و مضى … و رحت على طـول ذلـك الشاطئ.. أدندن.. مدغدغـا أغنيـة شاطئيـة حزينة .. محاولا صياغة لحن، لمشروع تلك الكلمات المتفوه بها حديثا.. صديقي ” شعب ” .. أيها الجزائري .. أيها الجزائري ، كم أنت باهض الثمن .. و كم أنت حزيـن ..لأجـل كـل تلـك الأشـلاء، تطيرهـا قذائف الحقـد.. و صهيونيـة الانتقام .. !؟ ” و انهمر غزيرا.. صوت الشعـب، مجتمعـا فـي أذنـي.. ” إنحـرف يمينا .. إحذر أيها المعتوه.. إنك تسقط في البحر !؟ .. تراجع .. تراجع ” و اتبهت في ذلك المساء ،على أمة تهوي بالكامل.. في متاهة السبات..؟ !

المغامرة أحيانا ضرورة لفعل الحياة .. و أيـة حيـاة تلقاهـا و صـدرك يضيق .. و ملايين الصور تتحدى كل رغبة في الحياة .. و تمدك بالأجساد المجزأة..و المعجونة، بالردة و العار .. المخلوطة بفجائع اليتم.. و الترمل.. و الصرخـات المحفـورة فـوق الشفـاه .. و شعبـان وحيـدان.. و أعـزلان.. يطوقهمـا العسكر.. و يرميهما العالم، بسلاح الصمت و الللامبالات ..؟ !
لمـاذا أنـا هنـا .. تساءلـت.. كيـف نزلـت كـل هـذه الأحقـاب، إلـى أسفـل التعب.. كي أستريح ..؟ و مشيت.. و خييـل إلـي أن ” شعـب ” يكلمنـي .. نعـم.. لقـد اعتـاد أن يخاطبني، كلما اشتد اللغط.. و ملأت الدهشة أشياء الحيـاة .. و فتـح بـاب آخـر، مواجهـه لبـاب طوارئي.. و دخل أطفال من مختلف الأعمار و الألوان .. كانت تتقدمهم براءتهم.. و في الممشى ، كانت تقف أسئلتهم و حكاياهم .. و كانوا صامتين .. و لا أدري إن تكلموا فمـاذا سيقولـون .. و بـأي لغـة كانـوا سيخاطبون ..أولئك الغلاظ القساة ، الذين أزهقوا أرواحهم .. لم يكن من الضروري، أن تتوقف بهم مركبة الحياة ،عند أول حاجز للصدفة.. كي يغتالهم الموت.. و هم بعد بيض القلوب … !

كنـت لا أزال ثائرا و متحمسا.. قبل أن ينفتح الباب المواجه، لسرداب حيرتي الأبدية .. قلت.. سأبحث عن حل لباقـي الأطفـال .. و لكـن عيـون أخـرى.. أكثـر انكسـارا و اكتظاظـا بالفجيعة.. اسطفت وراء تلك المتاريس السوداء، للموت المباغث.. و نادت ..
” هناك من يجب أن يقول لكل هذه الوفرة من الأموات .. يجب أن تستمر الحياة .. ! “

و همـس فـي أذنـي أخـي ” شعـب ” هـهؤلاء أرامـل الحيـاة .. لم يزلـن بعـد.. شابات.. و قادرات على الزحف.. و انجاب القامات ..؟

و دوى انفجار.. و لكن هذه المرة، في رأسي .. و سألني ” شعب ” و بدا أكثـر، من ملحاح .. لماذا تحشـو رأسـك، بكـل هـذه الأسطر الجاهـزة للنسيان ، ما جدوى أن تقول..؟ ما جدوى أن يقرأ الناس .. ! و دوى انفجـار آخـر .. و مضيـت عبـر ذلـك المنحدر الناتئ ..لأجراف الأسئلة المدهشة .. دافعة أياي رغبة شعب الملحاحة .. و قد طورها إلى قدرة ، هو الآن يريدها خارقة .. حتى يعقلن جنونه … ! ؟
و انتبهـت علـى نفسـي ثائـرة.. فـي مطـب غامض.. على أسئلة شعب.. و فلسفته غير المهدبة .. و رحت أوبخه.. و تطاولـه علـى قدسيـة النص .. أنت حقود أرعن .. يحزنك حد الانتحار ، أن نؤرخ لنكسة النفس البشرية .. أنت مطرود خارجي .. لن أصدقك بعدما قلت .. ؟ و تواصل السير دون أن يكلم أحدنا الآخر .. رغم ما للحدث من تداعيات..؟ !

إذن.. هـل يمكـن أن يحدث.. و يتفجر ذلك السر الإنساني ، بكل الدهشة التي ظل الإنسان يخبؤها . و يشتهي بإلحاح أن يعيشها، دون أن يظهرهـا للإنسـان.. هـل كان من الضروري، أن يقتلوا البراءة فينا.. حتى يستوي العالم .. و هل.. من اللزوم، أن تظل الفجيعة.. وشما سرمديـا، ينتصب في كبرياء على وجوه.. تلك الأكثرية من الناس .. و هل.. قدرهم أن نظل نحفر.. و نحفر، بأظافر حافية.. و متعبة ، بحثـا عـن لحظـة فـرح، تختفـي تحـت تلك الطبقة السميكة ، من الوجع.. و اليأس المدبب داخل بلور عيونهم .. !؟

و دوى انفجـار آخـر .. هـذه المـرة داخل ساعتي ، و همس شعب داخل نبضي .. و لم المتاعب .. من حق الفراغ أن يمـارس عليـك، سلطـة جنونـه.. و يملأك باليـأس .. و يعنـف أعصابك أحيانا .. و ربما يحدث أن يعانـق روحـك، فـي تواضع.. حتـى يخرجـك مـن ضباب الهواجس، القابعة في ظلمة الوقت.. المكشر في غير صالحك .. ؟ !

.. لا يهـم .. أن تعانـق الروح، خـواء اللحظـة .. و لا يهـم ..أن ترتـدي عنـد المسـاءات الحزينـة، نـدرة أفراحـك.. و تظهـر بمظهر الإنفتـاح علـى العالـم .. إذن.. ليعلـم الإنسـان الـذي يعـدم الإنسـان.. أن النـاس في شرقهم لا يموتون.. و لا يوجد سببا آخر لموتهم ، غير ما يبثُه.. و يقترفه من زيف و إثم غربهم .. و أن الحيـاة ستتسمر بلا أحقاد.. فقط .. حين يدرك العالم ، أن لكل إنسان رائحته الخاصة .. و قدرته الخاصة.. و إبداعه الخالد .. !!

و حـاول شعب، بعد هذه الكلمات ، أن يبدو هادئا.. و سألني بلطف رقيق .. مادمنا من بعض، فلا حاجة مادية بيننا.. كي نظـل مخلصيـن لهذا الانتماء..؟؟

برؤوس أصابعه مسح بتحسر.. فوق جوع أمعاء الأمة .. و أردف .. المهم أن نمتلك دموعا لمزيـد الرثاء .. و ضحك باستخفاف، من شراهة الملوك.. والساسة العِظام.. و انزلقت آهة من بيـن مواجعي.. و أشرت بيدي .. أن توقف يا شعب .. لا حاجة لي بمزيد الكلام .. و شيئا فشيئا.. امتلأ واقعي برضى مهزوم .. و رحت أطرد رائحة الشيطان، من أفكار شعب.. و أحرق شغفه بالشجن … لماذا أنت بهذا الشجـن يـا شعـب .. سألتـه.. و ربـت علـى كتفه فتدحرجت أشواقه.. دفعة واحدة، نحو الانحدار.. و الغوص فـي متاهـات الأجوبة ، غير المحتملة .. و قفزت دمعتان مترادفتان.. و انزلقتا فوق تقاسيم الوجع.. المشدودة إلى مساحـة الوجه … و راح يتابع بشغف احتمالي .. حالة دهشتي .. تختمر أنينا موجعا.. و هي تنط فوق رعـب فراغـي ..وبهدوء أبتسم شعـب.. و علـق ضحكتـه المدويـة علـى مشجـب الفجيعة .. و شيئا فشيئا.. تعالى وهو يردد.. أيها العربي .. أيها العربي .. كم هي نكستك مفجعة.. وكم أنت غريق الصمت و الحياد …؟ !

 


 

 

————————————————————————————–

محمود عيشونة (كاتب من الجزائر)

التعليقات: تعليق واحد
قل كلمتك
  1. محمد قال:

    ولي بقاء الصمت العربي حكاية طويلة لم ولن تنتهي

اترك تعليقا