كان موهوبا، وقد أخـفى ذلك خوفا من تهكم الأطفال، وسخرية الكبار الذيـن زرعوا الكبت، وقلّصوا حلمه داخل نفسه وأرادوا أن يخمدوه، تمنى من الصغر لو صار ممثلا قديرا وسطع نجمه. لمّا دخل معهد التمثيل وأجرى مسابقة امتحان القدرة على المحاكاة، شهد الفرصة التي أعطيت للجميع بما فيها شخصه.
لما سأله الرجل ذو الشاربين الطويلين -كجندي عثماني إنكشاري- عن معنى التمثيل وعن القدرة في تمثله، أجابه بأن التمثيل سهل على الجميع، ووجوده في الواقع بصور كثيرة ومختلفة، ولا فرق بين نوع وآخر، وإنما الفرق البـسيط فـي مهـنة التمـثيل وحرفتـه، وخضوعـه لشروط عـملية وقواعد، بينما في الواقع فهو غير خاضع لرقيب، ولا لأخلاق، ولا لمنطق.
لقد كلمه عن حالات كثيرة، كحالة “الشيخ بوسعدية” الذي يظل يكذب، ويمثل دوره أحسن مما يؤديه أي ممثل في “هوليوود”، وحالة رئيس البلدية الأمي المنافق الذي وعد أهل البلدة حتى بقطار سريع، وبأنفاق. وفي تذكره لهذه الحالات جاءته صورة “البوسَتَّة”، وهو رجل له أصبع زائد فسمي بهذا الاسم، كان رجلا متملقا، ينحني لأي مسؤول، كثير المدح، وفي ظاهر الغيب يكيل الشتائم، يحسن تمثيل دور التودد والتذلل، ليحصل على امتيازات مقابل الوشاية التي يحسن نسج حكايتها، له خيال سارح، إنها صنعته الخبيثة!
لقد أحسن الإجابة إلى درجة أن الرجل صاحب الشاربين ذهل لسعة مخيلته، وانبهر لتفجير الأدوار وخلقها، الحقيقة أن كل هذه الصور تمثلت في واقع الناس، فلا شيء خارق في هذه الشخصيات.
اجتاز الامتحان بامتياز كبير، تحصّل خلالها على العلامة كاملة، لقد رأى بعض الوجوه التي لم تحسن التمثيل تمثل جيدا، وتلعب أدوارا عديدة، ربحت من خلالها علامة ممتازة.
كانت الخشبة التي تحدث كزيزا شبيها بصوت حيوان كلما صعد متسابق على ألواحها، وراح يقرأ النص الذي طلب منه.
هناك طاولة طويلة قبالَـتَها، عليها إزار أخضر، وخمسة كراسي، أمامها لافتات ورقية مكتوب عليها اسم كل واحد منهم بخط عريض، هؤلاء لجنة تحكيم المسابقة، كانوا ثلاثة رجال وامرأتين، رجل بالكاد يظهر من على الكرسي برأس منغولي، أما الرجل الآخر فسمين منتفخ كضفدع، يكاد ينفجر محدثا صوتا مهترئا ينفث خلاله نفسا كثور، بدا على المرأتين شيء من الانزعاج، كادتا يُغمَى عليهما جراء الرائحة المـنبعثة من العرق المتفصد والمتلألئ على جبينه والبارز بلون أصفر فاقع من تحت أبطيه من خلال قميصه الأبيض، المرأة صاحبة الشعر الأحمر المصبوغ والوجه المتجعد المليء بألوان شتى، وشفتاها الشبيهتان بقطعة “كاوِتْشُوك” ممزقة، وفمها العريض كـ”كاراج”.
كانت قدمها اليمنى تمتطي اليسرى، وتنورة قصيرة تظهر فخذها الأبيض كما الشمع غير آبهة بالمحدقين فيه، لعلها تتعمد ذلك لتمسك بتلابيب الحضور! كـان الحـذاء الأحمر طويل العَقِب يتأرجح، كان منزوعا إلا من أصبعها الكبير الذي يحركه يمنة ويسرة، اللُّبَانُ في فمها كاللواتي ينتظرن الزبائن في ماخور لعين! عيناها شديدتا السواد، مختلطتان بلـون أخـضر، كانـت تحـمل قلمها وتداعبه بأصابعها التي كانت خالية من الخواتيم إلا من خاتم رقيق في حجم خيط سلك حديدي.
كانت المرأة الأخرى تجلس إلى يمينها، امرأة بطول فارِهٍ، وفم كخاتم منير، زاده ضوء المصباح الفضي توهجا وتألقا، كانت معتدلة في جلوسها، منتبهة لكل من يصعد الخشبة ليقدم العرض، كانت تسجل ملاحظاتها على أوراق وردية اللون، تنتزع نظارتها مرة على مرة، ثم تردها بعد مسحها، كانت تضايقها ولا شك، أو هي عادة أو حالة نفسية تتنفس من خلالها. كان الحضور جميعهم ينظر باتجاه صدرها البارز، الواقف الصارخ، ثدياها يكادان يتحولان إلى فرس شارد، لولا أزرار قميصها “المُوفْ” الذي يشدهما جيدا لكانا يخرجان غصبا، القميص كان رقيقا ومشدودا إلى درجة أظهرهما دائرين مكورين، كانت الأعين تأكلهما بتلذذ، أثارت شهوة الكثيرين، ومن المتسابقين من فقد تركيزه، واختّل توازنه، فعاد لا يعرف ما يقول. كانت تُفْقِدُ كل من ينظر إليها يقينه، تضحك من عينيها. الوحيدة في اللجنة من تملك حسا جماليا وفنيا يجعلها كُـفْـئًا لترشيح المتسابقين، امرأة بهذا الجمال، والهيبة البادية في جلوسها، وفي التزامها الصمت، وفي التركيز على حركات هؤلاء الممثلين الطامحين في دخول هذا المعهد الذي أقيم على أنقاض بناء روماني قديم إبان الاستعمار.
المرأة الجميلة كان اسمها على اللافتة الكارتونية أمامها “عبلة كامل الأميري”، كان يقرأ هذا الاسم ويـعيده على ذاكـرته عله يجـد جوابا له، أخيرا اهتدى بعد تعب العقل، إنها المخرجة المشهورة، والتي هي أستاذة كرسي في هذا المعهد الذي يتهافت على دخوله أبناء الأثرياء وذوي الجاه.
الرجل الآخر الذي كان على شِمال الطاولة كان يمص السيجارة بتلذذ لا نظير له، يترك الرماد يتساقط على حافة المرمدة، كان يطحن السيجارة تلو السيجارة، كلما انتهى من واحدة أشعل الأخرى بقدّاحة ذهبية تحدث صوتا كحفيف أفعى. كان وجهه أسود، وعظامه بارزة، حتى ناصيته تلمع من ضوء “النيون”. كان يبتسم بين الفينة والفينة، كأن شيئا ما بداخله يدغدغه، لم يكن ليأبه لهذه العروض المملة، كان في بحر آخر يخصه يسبح فيه لوحده!
أما هو فكان ينتظر الفرصة ليكلم “عبلة كامل الأميري”، ويحظى ببعـض عباراتـها، لأول مرة يراها، حلم بها كثيرا، وفي أثناء ذلك الخيال تمنى من كل قلبه أن يعمل معها، وينعم بالنظر في هذا الجمال الأخّاذ، إنها امرأة فارهة الجمال على نحو استثنائي، وعبقرية في الإخراج جعلت من الصورة دليلها إلى الشهرة والتفوق على كثير من المخرجين، الفرصة لا تتأتى إلا مرة واحدة في الحياة، لكن لم يكن له من ثغرة ينفلت من خلالها إليها ليكلمها ويعرب لها عن إعجابه، وكثرة مشاهدته لأفلامها المعبرة عن واقعات، إنها امرأة تملك الجرأة أكثر من الرجل قالها في أغواره. لما مرّ أمام اللجنة كانت تنظر إليه -وهو يمثل- كما ينظر الطائر الجريح، لقد شجعه الموقف أن يتقمص الدور، ويلبس الشخصية، مما لفت انتباهها، هذا لا يعني أنها احتفظت بصورته في مخيلتها، ولو أنه ابتسم لها، مما جعل أحد أعضاء اللجنة يسعل، لقد كان الرجل مصّاص السجائر.
هذا يومه الأكثر إشراقا في حياته، غمرته سعادة لا نظير لها، من غير المصدق أن يبتسم لـ”عبلة كامل الأميري”، وترد على ابتسامته بابتسامة، هو اليوم أسعد مخلوق!
الوحيد الذي بقي ينتظر خارجا علّه يحظى ببعض الدقائق من “عبلة كامل الأميري”، انفضّ كل المتسابقين الذين كان عددهم يفوق المئتين، كان ينتظر خارج القاعة، ولقد جلب انتباه العاملين، فالذي يمر يجده لا يزال جالسا دون حراك كأنه تمثال رخامي!
أخيرا ها هي “عبلة كامل الأميري” تخرج من القاعة مرهقةً، رفقة المرأة العجوز، والرجل مصّاص السجائر، الذي لازالت السيجارة تسكن فمه، كان يتكلم ثم يجذب نفسا عميقا، وينفث دخانه في السماء على جهة اليسار متحاشيا المرأتين.
كانت “عبلة كامل الأميري” تحمل محفظة نسائية جلدية سوداء اللون، “عبلة كامل” صاحبة العينين الواسعتين السوداويين الأليفتي النظرة، لقد أضـفى نهـداها وحقواها جمالا ساحرا يخرج الأحاسيس، ويجعلها تشطح!
- أيعقل كون هذا الجمال جواز مرورها إلى عالم النجاح؟ يتساءل في نفسه. هذا الجمال منحها شيئا إضافيا، كما يمنح مهربو السلع المفقودة أوراقا في وثائقهم كما يحدث في حواجز التفتيش على الحدود!
هذه فرصته ليكلمها، أمنية حياته في ملاقاتها، هاهي تتحقق، لطالما تابع حواراتها من على الشاشات، وبهره منطقها، وذكاؤها وعرفانها في مجال تخصصها.
كيف تسنى لها من مشهد عابر أن تجعله فيلما ناجحا؟ الفـرصة مواتية لـيظهر لها اهتمامه بفنها، ويذكر لها اسمه علّها تنتشله من واقع المعاناة، وبرودة اللـيل، ورطوبة البحر، إلى عالم الشهرة والنجومية والمال!
- ليس مستحيلا. قالها واقترب.
كانت منهكة، ومنهمكة في شرح بعض الأمور التي لم يسمعها، بدا له من خلال حركات يدها اليمنى التي كانت توسع من خلالها أصابعها، كان يجب عليه التحلي بقسط من الشجاعة، فالممثل الحقيقي من يتجرأ على المبادرة.
حَمْحَمَ كرجل سياسي لَبِقٍ وقال:
- المعذرة.. قطعت حديثكم!
- …..!
- أعتذر لأني تجرأت على ذلك!
- …..!
- مهما يكن، فأنتِ السيدة “عبلة كامل الأميري”، كم تمنيتُ لقاءك! وهاهي الفرصة تأتي كأنما القدر تكلم!
- …..!
- المعذرة سيدتي، تجرأتُ على ذلك لأقدّم إعجابي الكبير، وحبي لفنك وشخصك!
- …..!
لم يكن ليسمع منها كلمة، ظل الثلاثة ينظرون في هذا الغريب الأطوار، المقتحم لنقاشهم؟!
- ألم تكن على الخشبة من ساعات، وتقمصت دور “البخيل” من مسرحية “موليير”؟ قال الرجل مصّاص السجائر.
- نعم يا سيدي، قه.. قه.. قه.. قه، لكَ ذاكرة جيدة يا سيدي، أنت دقيق الملاحظة!
قال له مجاملة، كان يعرف أنه لم ينظر إليه أثناء تأدية دور البخيل لموليار!
- قدمت عرضا مقبولا يا… ما اسمك؟
- “نبيل الحوّات”!
- قدمت عرضا مقبولا، لكن هذا لا يعطيك الحق في الاقتراب من اللجنة، يعتبر هذا طعن في مصداقيتنا.
- نعم سيدي، أردتُ فقط التحدث إلى السيدة “عبلة” لأعبّر لها عن إعجابي بشخصها!
- …..!
- أعرفُ يا سيدتي أن الممثلين العظام لم يؤتَوْا موهبة، ولكن أُوتُوا فرصة لم تسنح لغيرهم، لقد أوتوا أضواءً. مثلا أصحاب الأدوار الرئيسـية ليسوا أكثر موهبة من أصحاب الأدوار الهامشية، أيمكن منحي هذه الفرصة يا سيدتي؟ ولو دور “كومبارس”؟!
- …..!
- التمثيل من خلال المسابقات ليس مقياسا، والشكل الخارجي للممثل ليس مقياسا، امنحيني فرصة أرجوك!
- …..!
نظرتْ المرأةُ التي كان على وجهها رطل مساحيق وقالت:
- تطلب المستحيل يا سيد!!!
وأضاف كالواثق من نفسه:
- انظري سيدتي إلى ذاك الصبي “فينوس ذي أوليفرا”، لم يتجاوز العاشرة من عمره، لقد كان ماسحا للأحذية في إحدى المطارات، نشله المخرج البرازيلي “والتر ساليس”، وجعله بطلا لفيلمه “المحطة الرئيسية”، تحصل من خلاله على “الأوسكار”، في مقدورك أن تنتشلي “صياد سمك” وتجعليه كذلك يا سيدة “عبلة”!
- هه.. هه.. هه.. هه..؟!
كانت القهقهات تتصاعد، طوقت خصر السقف في بهو المعهد!
- المخرج يكتشف الموهبة من مظاهر الناس وعيونهم!
قال الرجل مصّاص السجائر، وتفل عن يساره، بعدما وجه يده إلى شاربه الذي يظهر كشارب قط سمين:
- الهدف من التمثيل أيها الشاب الطامح هو جلب المصالح، وليس بغية توعية الناس بالحقائق… أنت هنا ولست هنا… ك!
- سيدي لكن…!
قاطعته المرأة التي ترتدي تنّورة حمراء إلى نصف ساقها:
- يكفي يا سيد، السيدة “عبلة كامل” ليس لها وقت لتهدره في هذه التفاهات.
كانت المرأة والرجل مصّاص السجائر يردان نيابة عنها كأنهما وكيلاها، قال:
- أردت فقط أن أكلّم السيدة “عبلة”، اليوم سعادة غمرتني على نحو ما، لقد سمعتني السيدة “عبلة” وهذا شرف عظيم، من دواعي السرور أن يمنحك الشخص كـ”عبلة كامل الأميري” بعضا من وقتها الثمين، شكرا سيدتي، سأبشر الممثلين الحالمين بك!
- …..!
انصرف الثلاثة، وتركوه قائما ينظر في شخوصهم وقد غابوا عن ناظره، لما استداروا شِمالا إلى الرواق الآخر.
رجع “نبيل الحوّات” من حيث أتى، لم يكن ليهتم للنتيجة ولا “لافيشاج”، بعد كل الذي حدث، لقد عرف معنى المحاكاة من القط عندما يترك ما اصطاده ليهرب منه، ثم يسترده مرة أخرى على نحو متكرر، وبأسلوب مختلف، ولوقت طويل!
بعد شهرين حمل إليه ساعي البريـد استـدعاءً تركـه في المـقهى المطـلة على الكـورنيش، الاستدعاء: ” تطلب إدارة المعهد الالتحاق في اقرب الآجال، ومع الاستدعاء دعوة من السيدة “عبلة كامل الأميري” ليمثل دور “كومبارس” في فيلمها الجديد”!
مزق الظرف البريدي بما كان داخله، انحدر نحو البحر يجمع كرات نيلون من على الرمل ملتصقة بشبكة ويدخلها الزورق، تمنى الليلة من كل أعماقه لو يبارك الله ويقود إلى شباكه كثيرا من السمك، كان البدر جميلا، ترك لونا فضيا على سطح البحر الهادئ، هناك ما هوا أجمل من عيون “عبلة كامل الأميري”!! قال.




