كان أبي فارسا للكلام
يُطيحُ بألسنة العاكفين على باب دكّانه
منذُ يفتحه في الصباح على مهنةِ القوْل
إلى حيثُ يعبُرُ سرٌّ يُسائلُه عن نصيب
الحكاية منه
يقولُ أبي، والأحاديث بين يديه
ثيابٌ يفصّلُها في اكتمال السؤال:
نبيعُ الحكايةَ كي نقتُلَ الأمنية
وعلى جبهةِ الليلِ نصلُبُ سرًّا
هكذا نحنُ في الخبر الآجل المستميت
نكوّرُ أحلامنا في الكلام
ونقرأُ أيّامنا في الضّجيج
نبيعُ الأحاديث كي نشتري الصّمت
على مهَلٍ يكتبُ السّرُّ موعظةً للجلوس وهم
يقتفون سرابَ النهاية
يقرؤون على عجَلٍ ما انتهى في شفاه أبي
: غرقتُ بجوف المُفوّه يومًا
سُحقتُ على درب نبرته وهو يمضَغُ
طينَ تواريخه
يلوكُ المُسمّى ويحتَفرُ التورية
والمجازُ رقيبٌ، يغازلُ حكمتَهُ العائمة
حين يُفصحُ أصنعُ مهدَ البداية
من لغةٍ تتناثرُ كالوحي
هكذا طيّبُ الذّكر، يصنعُ بالكلمات
ليس سرًّا هو السّرُّ لكنّه النّصُّ
يقرؤنا، ينتهي حينما نعتلي ذروته
فهو يكشفُ السّرَّ يفضحُ عنوانه
حين يجعلُنا بينه
مثل راءٍ تمكّن من مفردات الشُّهود
ولكنّه عاجزٌ عن صياغة ما قد رآه
تمامًا كراءٍ أصمّ!
هل تُرى، كيف، ماذا، … وأسئلةٌ من قَبيل
العناية، تغرزُ مهمازَها في عيون الرواة
الذين أصاخوا، وما برحوا باب دكّانه
هم الآن مجتمعون ومختلفون
يجمعهم صوتُه في احتمال المعاني
يفرّقهم سرّه حين ينضحُ يالأحجيات
وبالصّمت، بالصّبر يكتمل السّرُّ في عنفوان الحكاية
حيثُ لا لغطٌ أبدًا،
يجمعون شتاتَ الأحاديث كي يهتفوا
باسمه،
فهنالك قاعدةٌ سنّها والدي: “اذكروا الراوية …”
فهو المتنُ والحاشية
وهو السّندُ المتواصلُ عن سرّه
هكذا …
كنتُ أحفظُ في السّرّ متني
وأحفظ في المتن سرّ الرواية والراوية
*****
… وكان أبي عاشقًا للحقيقة
يمرُّ بأفئدة الناس، في الفجر يقرأُ قرآنه
ويرفعُ كفّيه نحو صدى همهماتٍ حيارى
وفي الفجر أيضًا يمرُّ على مُعوزٍ
ليمنحَه حفنةً من رضا
هناك … السّكارى يُباغتهم شغفُ للحضور
وفي حضرة الصّحو يبغته فجأة خاطرٌ للغياب
وهم ينظرون إليه
وما بين شمسٍ تُطلُّ على مشرق القلبْ
وقلبٍ يُطلُّ على مشرقِ الأمنية
تهبُّ رياح الضّغينة في الفجر أيضا
وفي الفجر يملأ كوب الكناية
يُفرغه بين سطرِ الرّضاء وصدر المحبّة
في الفجر أيضًا تُسائله محنةٌ
عن تواريخَ أهملها القدرُ المستبدّ
ويسائلُها
هو يعرفُ كيف تمرُّ المعاني
بأخيلة الناس، لكنّه مُمعنٌ
في التجاهل، لا يعتني بالتفاصل، تلك التفاصيلُ محنتُه
لستُ أعرفُ كيف يعيشُ أبي عُمرَه كلّه
في انتظار يقينٍ يقومُ على مبدإ الظّنّ
والظّنُّ ميقاتُه الفجر، والفجرُ عُمرُ أبي حين
يحتملُ الرّغبة الغامضة
كلُّ عمر أبي في الغموض تشكّل، في حكمة الفجر
في موعدٍ ليس يُخلفه، في صلاة النسائم، في غربةٍ
يصنعُ القلبُ ملمَحَها، في جنون التّراب
حين تسطًعُ جبهتُه قائمًا ليُصلِّي،
ثمّ يذكرُ ما قد نمى في صدى السّهرورديّ، أشياعُه
يحتفون بصوت النّدى حينما تغمرُ الشّمسُ قلب المدينة
حينها لا (يكون) أبي …
فأبي عاش عُمر الحقيقة في الفجر أيضًا
قبل أن تبزُغ الشّمسُ أو يحتفي بالنّدى من يخالُ
النّدى صوتَه…
صورة الفجر بين جدارٍ على قلب طفلٍ
صغيرٍ، يسوقُ لأحلامه طيف والده
كي يقولَ الصغيرُ: أبي يا أبي يا أنا …
هل أنا غايتُك ؟
أم أنا محنتُك ؟
أم أنا قولُك المٌستعار تؤجّله لضجيج الصّباح؟
وفي يقظة الصبح تينَعُ صورتُه من جديد
يقومُ على باب دكّانه
قبل أن يفتحَ القولَ، يغرقَ في مِسك حضرته
يُمارسُ طقسًا فريدًا
: يُصلّي على أكرم الخلق،
يملأُ جبّته من شُموس الغُيوب
ويعتمرُ السّرّ .
———————————————————————————————-
* شعثان الشيخ ( شاعر وأستاذ جامعي من الجزائر )




