يتغشاك..صعق القراءة. من اجل شيء يذكرك ببداية “حكاية” كنت أنت بطلها في “عاصمة الأقواس البيضاء” التي منها يزيح “القاص محمد مصطفاوي” تعتريك ،عتبات الذكرى بين مناحي أخرى، غير التي كنت تسايرها يوما، خاصة لما تعلم أن الحكي…يشمل فكرة ولدت مبتورة من تراسين اللوعة ومخابر الأفلام.،.التي كنا نشاهدها عندما…ذهبنا لنشتري “الفرجة من اجل الفرجة” ب50سنيم ونتجالس على حجرة محدبة، نقعد عليها ساعتين..قيبئرنا الألم متاهات. والمكان ليس بعيداعن “سرغين” .وأنا اشد ناظري إلى حكاية سردية جمعت “ناظري “و أوصاف هي ” مشهديات مقتبسة “تناولها القاص “بشبهة إبداعية”..تنكر لها الوازع العقدي في كثيرمن مضاربها ،لنبدأ سبر غورها من الداخل..وانا اعرف دوما ان القاص سيكون منفتحا ،لكن غيره سيضخ.. ومن هنا تبدأ “حكاية من ساحة الشهداء ” (سرد)
1-
الآنية الوصفية: حلق القاص ببداهة جميلة ،حورها كثيرا عندما اقلع عن الدوران واللف اللغوي ، ليقول بعظمة لسانه أن مساء المدينة حار،أو كما قال (مساء المدينة حارق ) بل وأقحم “دليله” بأنه من أكثر المساءات حرارة ، ولك ان تتصور أيها القاري كيف يتم الانتقال في مدينة ” كالعاصمة “، أين يوجد “مقر التلفزيون” تحت فرقديات تلك الحرارة الصهباء المنبعثة “بريح الصمايم” كما يقولون عندنا( في التل ) قبل إن ننتقل إلى المراكزالكبرى، انتقى القاص في هذه الوقفة ملفوظين جميلين (المتاهة) للوصف الدقيق على تعقد مداخل ومخارج ” العاصمة” ،ولوحة سريالية مجنونة، من عادة اللوحات المجنونة السريالية، إن تجمع بين “الحلم والواقع” ويخرج الرسام عن حدود المنطق يعبرعن لا وعيه ، فهي ليست “مجنونة “بقدر ماهي موزعة توزيعا جنونيا، لان إحكام مخارجها ومداخلها كان معروفا، وإلا لما وصلت “السيدة إلى السيد “في شارع الشهداء…( من نقطة ما من نقاط الطرقات ، وطرقات المدينة أشبه بمتاهات خطوط لوحة سريالية مجنونة ).
2-
تحرك المقيل : نقل القاص “جميلته الصحفية” من مكان بعيد عن “شارع الشهداء”، وفي “حالة مزرية من تصبب العرق “بفعل الحرارة، وهذا التطابق “جميل جد ” لان التالي يبرر الأول ولا يقاطعه، حتى تضل الحركة قائمة على مشهور وليست على مجهول، لكن هل ان القاص كان يقصد انتقالها من ساحة الشهداء أو وصولها إلى شارع الشهداء إن الخلط بين “المكانين سيخلط أطوار ألحكي ” ويؤكده عنصر” ألحكي العشوائي” ونحن لا نضن ذلك بقوله(، كانت تأخذ طريقها في اتجاه إحدى البنايات المهمة المتمركزة لأي جانب قصي من ساحة الشهداء،،،) إذن تحرك المقيل غير واضح ،ورواق حركته غير ناضج ، لم تظهر لنا نقطة الانطلاق ولا حتى الوصول..
-3
وصف المقيل(المجسم ) يعتري القاص فضول تخطيط “ديباجة “حول جميلته الصحفية قال(، هي امرأة في الثلاثينات ،، جذابة الطلعة ،) كان يريد أن يزيد من وصف جمالها ، غير انه اجله إلى “اللاحق” ليبرر به فعل المنتظر داخل المكتب الهلامي ، لكنه كان يصعد من وصف “الحركة” بقوله (رنة خطواتها كانت أكثر اضطرابا ) لست هنا بحاجة إلى تبريرفقد ذكرت سابقا ( الأهمية ) وقلت (مما يؤكد أنها مستعجلة في أمرها لذلك لم تهتم لقطرات العرق الكثيفة المتصببة من العنق )، لو وصفت أكثر “حركات التعرق “لأنه لا يندس في العنق، بل على أطراف الجبهة أو وسطها أو على وجنتيها ليجتمع ” شلاله ” في بؤرة الحنجرة أو على أطراف الرقبة ، لأنك لم تصف رقبتها، بل اكتفيت بجعل مركز للعرق، وهذا نادرا، وهنا فجعت “المركزية الإبداعية “عند هذا الحد وكنت قادرا على أن تعطي لنا وصفا ذو حدين وصف لتأثر الجميلة بحالة الطقس، وبزيادة وصف “مركز الجاذبية”التي ذكرتها في الأول، مما جعلك تبحث عن مبرر كيف أنها لم تمسح العرق ، وهذا أيضا “تبرير واهي ” لا حاجة إليه، (…. وعلى جبين الوجه القمحي ،، ربما اعتقدت في قراره نفسها أن عملية سحب المنديل من جيب قميصها الفاتح فيه عناء جهد ومشقة ، لا طائل من ورائها تذهب الوقت هباء تبرير غير مقنع وقد لايكون وخاصة لما تتحدث عن الجهد فقد تفتح حقيبتها وهي ممتطية للحافلة أو سيارة الأجرة إلا إن تكون في وضعية (عدو) يعني مشي صعودا من ساحة ا ول ماي الى “لبيري” وهذا غير ممكن لأنك لم تذكره صراحة وذكرته ضمنيا…
4-
الوصول المفاجئ……….. دحرجت وصول ” الجميلة ” وكأنها جاءت على متن مركبة فضائية ، فهي ألان أمام بناية ساحة الشهداء البناية التي قلت أنها “مهمة ” فهي في شارع الشهداء وليست ” ساحة جامع كتشاوة “( وحينما وقفت أمام تلك البناية بطوابق عدة ) لاندري أين ذهب فيك سياق الحركة من باب البناية إلى الطابق الأعلى ، هل أعدمت اللغة لتشير إلى ذلك “بفعل أو فعلين ” حتى نفهم طريقة وصولها أو كانت تنقصك اللغة (فهذا ليس اختصارا ولا أي شي وإنما هو تغافل واستهتار بنا كقارئ،تقول ( ولما وصلت الباب المقصود في أعلى طابق ).هل حملها “سوبر مان” ولما دقت “الجميلة” الباب (أنت قلت “ضربت برفق “ولا يكون ضرب الباب إلا بالقوة ، أو “طرقته برفق” وفجأ دخلت ، وكأنها تعرف هذا الشخص لم نسمع الإذن بالدخول (ضريت برفق عليه،،،،لحظات وكانت في الداخل ،) جميل إن يصفق الباب من خلفها (يصفق الباب ، تركيب انطولوجي.شامل..وغريب إن فعل “التصفيق” لا يصدر عن الباب، وإنما عن مقبضيه الخلفين، ثم كيف تم ” تشبيه صوت السمكة الصغيرة في هوج الموج،” إلا ترى إن هنا مثاراخر لسخرية وغرائبية، أنت لم تركب جيدا الملفوظ وركبت المعنى في داخلك،( صفق الباب من خلفها، مثل سمكة صغيرة يحتويها الموج )
5-
المشهد والإثارة: يفتح “القاص” فتحة ذات جمالية سريالية حقيقة مجنونة ، هيئ الجميلة ” بطليعتها البهية” إخبار ليعلل به شيء قد يحدث بينها وبين المكتنز(أحتوى المكتب الفخم، المرأة الثلاثينية ذات الطلعة البهية ،من الداخل ، كان الرجل المكتنز الجسم ، الأنيق ) ،تبدأ المطابقة بالإثارة من خلال “توظيف جملتين متحركتين” نحو إثارة الغريزة الليبدية، الطلعة البهية المكتنز الجسم الأنيق)، وهذه المواءمة أعطت نوعا من سكون الراحة ، إثناء الحديث الذي جاءت من اجله الجميلة ، وهو يعرف مسبقا بأنه حديث ليس به “أسى” لأنه سيكون كسابقيه، كان يعرفها منذ سنوات ، وقد تغيرت فيها قسمات لا حظها الأنيق كرسمه سريالية مجنونة خاصة ، لما قبضت كفها على وجهها(وضعت كفها على وجنتيها في حالة استماع عميق وتركت اليد الأخرى منبسطة على سقف المكتب )، ورغم إن الأنيق كان يفكر في أشياء غير بريئة في تلك اللحظة كان يسابق الحديث لكي يتركها تتحدث وتتمايل في حركتها الكلامية حتى يمتع أطوارها الفلكلورية إلى” قمة النشوة “وهو يتمنى أنها لن تكمل حديثها حتى يرتوي داخليا ، يعني يتبقى بالاستماع ليبني “لذة هوسية” افتقدها منذ سنوات (كان يحادثها بشكل يحيل إليها أنه لن يصمت أبدا) وأعطى لها أمان الحديث بقوله ( وكان يصدر حركات وإيماءات معينة في قلب الحديث يشير بها أنه يفهمها .)ويزداد التوترة من جديد، حيث تحس الجميلة ان محدثها ( ينصت لها على مضض) وما أكد لها ذلك عندما تناول غليونه (كل ما ذكرته يبدو جميلا!) يزداد التوتر اللذيذ(أنا لست منشغلة بالرسميات الآن ).
6-
العقدة والحركة والانحباس …………………….. اخفي القاص لنا العقدة بعدما اخرس “بطلته” في حوار كومبارسي أشبه بمونولوغ صامت ، سرعان ما شرحه عندما تكلمت الجميلة عن عمارة ستقع (….. الكارثة ستقع لا محالة،هذه آخر تقديرات الخبراء،، بناية كاملة ستنهار على رؤوس السكان) إن “عقدة” ضمير الصحفي تناولها القاص بفكرة جيدة عندما ألحت الصحفية على ضرورة تدخل الأنيق لإعلان ذلك في التلفزيون، رغم أنها كما قالت (…….لقد كتبت عنها في الجريدة حتى اعتقدوا أني سأرثها!،ولكن لا أحد تحرك في هذا الاتجاه ) عرف الأنيق أنها تعيد في صرخة قديمة فلم يعر الأمر أي اهتمام ربما لقدامته أو لخروجه عن المألوف أو ان المدير لديه مايقول، ولكون ان هذا لم يظهر للقاص ، اكتفى بوصف حالة المكتب للمرة الثالثة ..(استدار الرجل على الوجهة الأخرى وراح.. يحدق بشيء من الغرابة في زخارف وألوان جداريات الغرفة الشاسعة )
7-
العقدة لم تعد عقدة……………….. تفسخت “عقدة القص” كليا كما تفسخت نظرات الجميلة الجائعتين وأصبح “المشهد باردا”، لم يزد القاص إلا إن وصف حالة رد الفعل للجميلة ،وكأنها “ثورة لذوية” زادته نشوة وهو يتلذذ بسماعها ويغضبها بقولك (اعتدل في جلسته و انفرجت أسارير وجهه الدائري الغليظ ،، ابتسم في فتور وهو يجيب )).. يحاول القاص إن يحي ذكاء اخرقا في” الجميلة” التي كان من الأجدر ان تذهب إلى المصالح المختصة وهي صحفية لايهما من أمر التلفزيون أي شي ،واحترافية العمل الإعلامي تقتضي الذهاب إلى مصدر المعلومة ،لا إلى إعادة تكررارها ، ربما تكون الصحفية مبدئه أو أنها أرادت إن تعيد نبش ألماض في ذاكرة الأنيق (بحلق بدقة في وجه المرأة وكأن به يكتشفها من جديد كان يرى فيها رقة الأنوثة تتحول إلى قطعة ساخنة من النار وقال لا أرجوك لا تلغيه من رأسك الجميلة ) ويواصل معاكسته لها وكأنها بدأ يصرخ كالطفل بقولك (في الحقيقة أنا لا أعرف مصدر هذا الشعورالذي ينتابني لحظة أراك!؟) وهنا تصببت عرقة وحشمة وبدأت مظاهر التفاعل تظهر عليها ،بتبرير لم يورده القاص صراحة بل تركه ضمنيا (تسالت وهي تمرر المنديل على وجهها وحول عنقها عن أي شعور تتحدث ؟!)
8-
ميلاد النرجسية واللوعة اللذوية… بعدما تخطى “أنيق مصطفاي ” مرحلة المغازلة بدأ البوح الحقيقي (شعر بلذة غير محدودة من عطش غريزي قديم ، كان ينتظر منها أن تسأله عن مصدر هذا الشعور وتتعمق في التفاصيل سارع في الرد دون أن يتنازل عن البحلقة في وجهها الحقيقة أنني كلما شخصت في تقاطيع وجهك و استمعت إلى أفكارك القديمة ، أتذكر “فيروز ” وكذلك يال الدهشة تشبهينها تماما !؟ لأجلك سأعطي تعليمات لمديرية البرمجة حتى تبث أغانيها يوميا ! وراح يدندن بمقاطع من إحدى الأغاني (حبيتك في الصيف حبيتك في الشتاء) وبدأت الجميلة تتجاوب مع الانيق (وجاء صوت الأنثى مقاطعاوهل هو لذيذ فقط ؟إنه صوت قوي وفيه أصالة( ولكي تخفي نرجسيتها تدفقت اليه ( ألا يذكرك كذلك برائحة الأرض وكبرياء النفس البشرية )
9-
التعليل المبهم………………………………… كشف القاص عن علاقة “الأنيق بالصحفية ” أنهما كانا زميلين بجريدة ،وإنها جاءت إليه بفعل الزمالة وليس لامر مهني ( وتعود إلى ركنك القديم بالجريدة لتكتب عن هموم الغلابى ! منذ سنوات أيها المدير
10-
الماضي ورهبة القرار………………. لما حدثته عن الماضي تحجج ،كأي مسئول غير مسئول بأنه لم يكن في الماضي مسئول (وقتها يا آنستي لم أكن أنا هنا! لست مسئولا عن الماضي) لو غضبت ما مدت يدها عندما صافحها إن فعل “المصافحة “أيها القاص اسقط جميع تشبيكات الغضب التي كنت تنسجها في خيالك وتركت ” جميلتك ” تصافح مسئولا يغازلها (وانفلتت من الرجل قهقهات مدوية اهتزت لها أرجاء الحجرة ولم يتوقف إلا بعد أن انتفضت المرأة من مكانها واقفة، وقف هو الآخر ، مد لها يده كإشارة وقال يودعها بامتعاض شديد:عموما أنا أشكرك على هذه الزيارة اللطيفة !). يرفد القاص “ثورة غاضبة للجميلة” غير مبررة وهو يناقض نفسه كيف تصافحه ثم تضرب الباب بقوة ، ولما خرجت ” الصحفية ” وصف لنا القاص المتبقي من مكالمة هاتفية من مراسلة صحفية ذهبت تتفاوض مع مغنية إن هذا التشبيك الذي أوردته في الأخير غير منطقي وغير موجود إلا في خيالك لان “طريقة” عمل في تقنيات التفاوض تقوم بها ” مديرية العلاقات الخارجية” وليس المدير المسئول، وكان من الأجدر ان تصف لنا ردة فعل الصحفية وهي تنزل من البناية وتمسح عرقها المتطاير منها ( فهي كما ذكرت تتعرف كثيرا ) لا إن تخرجنا من عقولنا في وصف مكتب المدير للمرة الرابعة (وراح يحدق مرة أخرى في ألوان وزخارف جداريات القاعة ) وفعلا كان يكون حسك أجمل لوصفت منظر خروجها مثل سمكة صغيرة يحتويها البحر وهي تغادر مبنى التلفزيون ، لأنه صورة الصحفية المتعرقة ،عندما ينظر إليها من الطابق السادس.تتراءى فعلا ” كسمكة صغيرة.”.يصعد بها مطاف الشارع مباشرة الى اعلى لعلها تتنفس الصعداءأو تنتظر الحافلة رقم 48 ان تذكرت……………..
*زهير حمام (ناقد وباحث أكاديمي من الجزائر )
.




