تحولات الحقل الأدبي في الجزائر: الرهانات و التحديات ..مدخل لتحليل مؤسساتي: ملاحظات أولية / د محمد داود
بواسطة admin بتاريخ 26 نوفمبر, 2021 في 02:42 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 208.

يتميز الحقل الأدبي الجزائري بالتعدد اللغوي(العربية، الفرنسية، الأمازيغية و العربية الدارجة) و هو بهذا التقسيم اللغوي يتفرع إلى أربع أقطاب: الأدب المكتوب باللغة العربية والمكتوب اللغة الفرنسية و المكتوب باللغة الأمازيغية الذي هو في مرحلته الجنينية، والأدب الشعبي (الشعر الملحون) المكتوب باللغة العربية الدارجة مع العلم أن الاهتمام بهذا الإنتاج الشعبي هامشي جدا. هذا بالإضافة إلى أن الحقل الأدبي الجزائري متجاوز للحدود الوطنية، لكون بعض نصوصه تنشر في الخارج، في بلدان المشرق العربي وايطاليا (عمارة لخوص و العربي رمضاني بمنشورات المتوسط) و ألمانيا بالنسبة لكتاب اللغة العربية (لعرج واسيني بمنشورات الجمل) و فرنسا و كندا بالنسبة لكتاب اللغة الفرنسية). ويعرف هذا الحقل تحولات مستمرة و جد معقدة مما يقتضي مقاربته تغيراته- و في أحد أقطابه، أي القطب المكتوب باللغة العربية – طرح أرضية منهجية تتعلق بالنصوص السردية من حيث الكمية، أي عدد النصوص السردية المنشورة منذ الأربعينيات من القرن الماضي إلى الآن، وأيضا من حيث الموضوعات والأشكال.

هذا الأمر يقودنا إلى الحديث عن عدد النصوص التي صدرت في بداية السبعينيات والتي كانت تعد على أصابع اليد الواحدة، إذ أنه مع نهاية هذه العشرية و بداية فترة الثمانينيات تطور الوضع الثقافي و نتج عنه ظهور مجموعة هامة من الروائيين من أمثال مرزاق بقطاش والجيلالي خلاص و على محمد عرعار إسماعيل غموقات و إلى جانبهم كوكبة من المبدعين من أمثال لعرج واسيني و الزاوي أمين و الحبيب السائح و محمد مفلاح ومحمد ساري و أحلام مستغانمي و أحميدة العياشي و السعيد بوطاجين، و غيرهم… وكذلك من حيث تموقع المؤلف في هذا الحقل بشكل فاعل و ضمن علاقاته بمختلف المؤسسات القائمة على رعاية وترقية الأدب، أي دور النشر و وسائل الإعلام والاتصال، التقليدية منها و الحديثة. والجدير بالذكر أن معالجة هذا الموضوع المتشعب، و ما يعرفه الحقل الأدبي -في عمومه- من معارك فكرية و أحيانا ملاسنات حادة بين الأدباء ذاتهم حول امتلاك الصدارة و الوجاهة للفوز بالرأسمال الرمزي و احتكاره، جدير بالدراسة. كما يقتضي الأمر معاينة هذا الإنتاج الأدبي في علاقاته المتشعبة بالمؤسسة التربوية من حيث إدراج نصوص الادباء ومختاراتهم في البرامج ذات الأهداف البيداغوجية و القيمية و بما يرتبط بالمؤسسات الأكاديمية بما تخصصه لنصوصه من دراسات موضوعاتية و فنية وتاريخية، على شكل أطروحات أو ملتقيات و أيام دراسية، هذا إلى جانب ما تنظمه الجمعيات الثقافية من ندوات و لقاءات تثري النقاش حول الحركة الأدبية في الجزائر.

و يحيلنا طرح الموضوع بهذا الشكل على عدة حقول معرفية متعددة و منها نظرية الحقل الأدبي : و منها دراسات بيير بورديو و غيره من الباحثين، كما يثير القضايا الفكرية المتعلقة بالتاريخ الثقافي والسياسي للجزائر، من منطلق أن مسايرة الأدب و منه الإنتاج الروائي، على وجه الخصوص، لمختلف المراحل التاريخية التي مرت بها البلاد أكيدة، وبخاصة وأن إشكالية أخرى تتعلق بالمجتمعات ما بعد الاستعمار تتولد عنه إلى جانب ما تفرزه من قضايا مختلفة تتعلق بالهوية و كيفية “استرجاعها” مثلما تم استرجاع الأرض، و أيضا ما يرتبط بقضية الاستعمار الجديد أو التبعية للدولة الفرنسية و ضرورة التعامل بكيفية أو بأخرى مع ما تسعى إليه هذه الدولة من بسط لهيمنتها الثقافية و السياسية والاقتصادية. و في هذا الاتجاه سعى الفاعلون الرسميون في الحقل الثقافي و السياسي بوجه خاص، و لأسباب إستراتيجية و أيديولوجية تدخل في إطار في البناء الوطني المستقل، إلى تفضيل الأدب المكتوب باللغة العربية و مؤلفيه على حساب الأدب المكتوب باللغة الفرنسية ومؤلفيه. و قد نشأ عن هذا الوضع الجديد توترا بين هذين القطبين في الحقل الأدبي، اتخذ نوعا من “الحرب اللغوية” و هو موضوع جدير بالدراسة العميقة، من الناحية الأنثروبولوجية والسوسيولوجية و التاريخية (لما تخفيه الصراعات الإيديولوجية التي تتلبس باللغة من استراتجيات للتموقع داخل الحقل الأدبي و الثقافي، وبالتالي داخل الحقل السياسي، ذلكم أن الحقل الأدبي الجزائري، مثل غيره من الحقول الأدبية التي عرفت بلدانها الاستعمار، “يفتقد إلى الاستقلالية عن الحقل السياسي” . وبسبب غياب تراتبية اجتماعية واضحة (أي أعيانا أو برجوازية يملكون رأسمالا ثقافيا ويرعون الأدب و الادباء و يقدمون لهم الهدايا أو الجوائز)، ولكون السياقات المختلفة التي مرت بها الجزائر تستدعي تدخل الادباء في النقاش حول القضايا المختلفة التي يعرفها المجتمع. و يفرض المنطق – في هذه الحالة- على المثقف بصفة عامة و على الأديب بصفة خاصة المشاركة في المطارحات الفكرية و في إبداء وجهة النظر لتوضيح المسارات وإضفاء المعنى على الممارسات الاجتماعية و السياسية المختلفة. كما يترتب عن عملية نزع الاستعمار الرغبة والطموح في تكوين “أدب وطني” قد تحدد عناصر الانتماء الهوياتي معالمه بالتركيز على لغة الكتابة و هي هنا اللغة العربية، إلى جانب ما تطرحه ثنائية “الأنا” و “الآخر” أي تلك العلاقة المتناقضة مع استعمار الأمس. و تستمر هذه الثنائية في الخطابات السياسية التي تدعو إلى “استعادة” الهوية المفقودة و توظف في هذا النقاش “صورة العميل” لتحييد الخصوم و المنافسين في الحقل الأدبي من كتاب باللغة الفرنسية بخاصة، كما تأخذ “صورة المخرب” للقيم لتطال كتابا معينين باللغة العربية. و الواضح أن من يوظف “صورة العميل” لنقد الأدب المفرنس يتعمد في عدم الفصل بين “الفرانكفونية السياسية” و الفرانكفونية الأدبية”، والفرق بينهما واضح من حيث التهجين اللغوي و عمق المضمون المقاوم للهيمنة. والهدف واضح من هذا الوسم السلبي للأديب يتمثل في تأثيم المثقف و باللغتين وجعله يشعر بالذنب وترهيبه لينسحب من النقاش ويترك الساحة لمناوئه وخصومه الأيديولوجيين. و لعل التداخل النسبي الموجود بين القطبين (المعرب و المفرنس): من خلال كتابات رشيد بوجدرة الذي انتقل إلى اللغة العربية في الثمانينيات (و عاد إلى اللغة الفرنسية في التسعينيات)، و انتقال إلى اللغة الفرنسية كل من الزاوي أمين و لعرج واسيني و محمد ساري في الجانب الروائي ومرزاق بقطاش و الجيلالي خلاص من خلال إسهاماتهما الصحفية، يجعل من دراسة الحقل بحاجة إلى أدوات منهجية ملائمة.

و الجدير بالذكر أن تاريخ الأدب هو دائما تاريخ أمة أو جماعة معينة، لكن الأفكار والأعمال الأدبية لا تتوقف عند الحدود التي هي متحركة باستمرار . مع العلم أن الكتابة الأدبية في الراهن تميل إلى التهجين و الامتزاج مع الآداب المختلفة و التناص معها، لكون الانغلاق يقضي على العملية الإبداعية، كما تنخرط في العولمة أو بالأحرى في “النظام الأدبي الدولي” . و عليه فكتابة تاريخ الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية في حاجة إلى الخروج من السبل المطروقة: أي الدراسة التحقيبية و السياسية والموضوعاتية و النصية: عبد المالك مرتاض، محمد مصايف، و عبد الله الركيبي و عمر بن قينة و لعرج واسيني وعامر مخلوف و محمد ساري وعبد الحميد بورايو و آمنة بلعلى و السعيد بوطاجين ومحمد تحريشي و غيرهم ممن اهتموا بهذا التاريخ الأدبي وبتحليل نصوصه المختلفة، و يمكن الوصول إلى هذا التحليل ذي الطابع الشامل بمعاينة التحولات الكبيرة التي عرفها الحقل الثقافي والسياسي في الجزائر كما هو دعوة إلى إثراء هذه الإسهامات النقدية والإضافة إليها بغية الوصول إلى فهم عميق لتحولات الحقل الأدبي الجزائري و بخاصة في قطبه المكتوب باللغة العربية.

كما يدفعنا الحديث عن هذا الجانب إلى التفكير في الموروث الثقافي و الأدبي الجزائري وكيفية تشكيله على مر العصور و امتزاجه بالتاريخ المعاصر، أي منذ ظهور النصوص الأولى في الأربعينيات و الخمسينيات و الستينيات (عبد المجيد الشافعي و نور الدين بوجدرة و رضا حوحو، محمد منيع …)، و هي المحاولات الأولى للرواية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية، و إن تميزت ببعض الضعف الفني و الفكري، فإنها تمثل اللبنة الأولى للإبداع الروائي. و قد عرف هذا الأخير قفزة نوعية بعد الاستقلال و بخاصة في فترة السبعينيات و برز خلالها جيل كامل جعل من هموم المجتمع مادة خام لكتابته الأدبية التي ارتبطت بمصير الأفراد والجماعات على مستوى الخطاب الفني و الأيديولوجي المكرس و بالواقع المرجعي والتاريخي (“ريح الجنوب” لعبد الحميد بن هدوقة و”الزلزال” واللاز” للطاهر وطار). إن الاهتمام بالثورة التحريرية بتناقضاتها الداخلية ومواجهتها للخطاب الكولونيالي ولممارساته القمعية و أيضا الإشادة بالثورة الاجتماعية و الإصلاح السياسي بمختلف تجلياتهما في فترة السبعينيات، جعل من هذه النصوص تنخرط في التماهي مع الدوكسا، أي مع الخطاب السياسي والاجتماعي القائم آنذاك. و قد وظف النظام السياسي هذا المعطى لصالح مشروعه السياسي و شجعه بتوفير المناخ الفكري والتشجيع المعنوي للأدباء الذين يتبنون خطابه و يبررون اختياراته من خلال مؤسسات الدولة الثقافية والأيديولوجية ( وزارة الثقافة ومجلاتها، مؤسسات النشر والتوزيع التابعة للدولة ، اتحاد الكتاب، الجرائد الوطنية وملاحقها الثقافية. مما جعل وزارة الثقافة تشجع الأقلام المعربة الشابة عن طريق النشر في مجلة “آمال” وفي مجلة “الأدب و الثورة” التابعة لوزارة التعليم العالي، و تنظيم هاتين المجلتين للمسابقات الأدبية المختلفة، كما كان اتحاد الكتاب يظم الندوات الدورية الملتقيات السنوية (ملتقى الرواية بمدينة قسنطينة، و القصة القصيرة بمدينة سعيدة و ملتقى الشعر بمدينة وهران،…). ففي هذه الأجواء السياسية والثقافية ظهرت مجموعة من الأدباء الشباب الذين استفادوا من مهمة تعريب النظام التربوي و من ديمقراطية التعليم والتحقوا بمدرجات الجامعة. فانخرطت الكتابة لأدبية آنذاك في الواقعية النقدية و”الاشتراكية” وسعت إلى تشكيل قطب أدبي معرب، و نذكر منهم لعرج واسيني، الحبيب السائح، و أمين الزاوي إلى جانب كل من عبد المالك مرتاض و عبد الحميد بن هدوقة اللذين تقدموهم في السن و في التجربة الأدبية. وقد اكتفى الأول بالعمل الأكاديمي الذي يملك شروطه، والتحق الثاني بالعمل الإعلامي في الإذاعة و التليفزيون، فقد غالب على نشاطهما الأدبي التحفظ و عدم الدخول في النقاشات العامة، على العكس الروائي الطاهر وطار الذي “ملأ الدنيا وشغل الناس” إذ حظي باهتمام كبير من جانب الإعلام و من جانب النقد الأدبي.

ماذا بقي من الطاهر وطار؟

يشكل الكاتب وطار بوصفه أحد المؤسسين للرواية الجزائرية و المعروف بتموقعه داخل الجهاز الحزبي الحاكم و بخطابه الثوري المشاكس للسلطة الفاعل المحوري في الحقل الأدبي و هو نموذج للمثقف العضوي الذي كان مستقلا بخطابة الأدبي على الرغم من الانتماء الحزبي. فقد كتب رواية “الزلزال” للإشادة بالإصلاح الزراعي و بانتقاد ما رافقه من تلاعبات من قبل مالكي الأراضي الفلاحية الكبيرة، و رواية “اللاز” التي كشفت عن الصراعات الداخلية التي ميزت الثورة المسلحة. بهذه الرواية سينال وطار الحظوة لدى اليسار الجزائري و يرتبط به أيديولوجيا لا عضويا “أنا معكم و لست منكم” و “أنا معهم و لست منهم” هكذا تكلمت إحدى الشخصيات في روايته “العشق و الموت في الزمن الحراشي”. مسار الطاهر وطار حافل بالانخراط العملي في الحياة الثقافية و السياسية للوطن، فقد كان متعدد النشاطات، حاضر في المجال الإعلامي و في الكتابة الأدبية بمختلف أجناسها، و في الفعل الثقافي، بتأسيسه للعديد من الأسبوعيات و الملاحق الثقافية حيث كان يجعل منها منابر للأقلام الجديدة، كما أسس الجمعية الثقافية “الجاحظية” لتكون على شكل نادي ثقافي تُقام فيه الندوات و اللقاءات الفكرية. و قد كانت الجمعية مفتوحة لمختلف التيارات الفكرية دون إقصاء فكري أو لغوي. و لعل إحالته على التقاعد من الجهاز الحزبي مبكرا جعلته يكرس كامل وقته لهذه النشاطات المتنوعة. و لم يتوقف صاحب “اللاز” عند هذه النشاطات، بل كان يتدخل في كل ما يتعلق بالثقافة والكتابة الأدبية و يعطي وجهة نظره حول الأوضاع السياسية، فلا يتوقف عن نقد كل ما يراه غير مناسب لمواقفه السياسية و لموقعه المحوري في الثقافة الجزائرية، و لذلك خاض عدة معارك مع أقرانه من الأدباء و حتى مع أقرب المقربين منهم إليه من الأدباء من أمثال لعرج واسيني، أمين الزاوي، رشيد بوجدرة، الطاهر جعوت، وغيرهم… و لعل بداية التسعينيات و ما عرفته الجزائر من انفلات أمني و تصفية منهجية للمثقفين والصحافيين إثر توقيف المسار الانتخابي الذي فاز فيه الإسلاميون بنسبة معتبرة، جعلته يراجع نفسه و يقف ضد التوجه الذي تبنته السلطة و معها التيارات الليبرالية و اليسارية، و يدخل في صراع مع أقرانه الأدباء، و يقيم عداوة كبيرة مع بعضهم ومنهم الطاهر جعوت. و لعل ما شهدته الأزمة السياسية في بداية التسعينيات من احتداد وغموض أيديولوجي كبيرين كانت سببا في تبرير الطاهر وطار اغتيال الطاهر جعوت على أساس لغوي و ذلك بتوظيفه ل”صورة العميل”. مما عمق أزمة الحقل الأدبي على أساس أن ما عرفته الجزائر آنذاك هو حرب لغوية بين المعربين و المفرنسين من الكتاب الجزائريين. و تبرز هذه المعارك التنافس الكبير بين الأدباء في الجزائر حول امتلاك واحتكار الرأسمال الرمزي و الوجاهة وتوظف جميع الأسلحة حيث “أن اتخاذ المواقف السياسية يخضع للرهانات الأدبية المحضة، كما أنه بإمكان الرهانات الأدبية توظيف أسلحة السياسة” .

و بوفاته صيف 2010 يفقد الحقل الأدبي في قطبه المعرب أهم فاعل كان يستقطب جميع الأنظار، لتعلن وفاته عن تشرذم كبير لهذا الحقل عمقت أزمته ما عاشته و ما تعيشه البلاد من تحولات سياسية عسيرة، و بخاصة في فترة التسعينيات التي شهدت عنفا وإرهابا لا مثيل لهما، و قد حاول كل من رشيد بوجدرة و لعرج واسيني و غيرهما من الأدباء تنشيط الحقل، لكن الساحة الثقافية المرتبطة به عرفت تشرذما و غموضا كبيرين.

الحقل الأدبي يتشكل من جديد :

في هذا الصدد يمكن القول أن الحقل الأدبي الجزائري بامتلاكه خصوصية كبيرة، مرتبطة بمرحلة ما بعد الاستعمار و بالصراعات السياسية التي رافقت عملية الحصول على الاستقلال، و بالتفاؤل التاريخي الذي واكب السنوات الأولى من الاستقلال، بدأ يتجه نحو التصلب و الشعور بالانكسار واليأس و فقدان الأمل و الخيبة، لما عرفه البناء الوطني من تناقضات سياسية عميقة، لطفتها الإصلاحات السياسية التي تم اعتمادها في فترة السبعينيات مما سمح للعديد من الادباء و المثقفين من الانخراط فيها بأشكال و مضامين مختلفة، و قد كانت بداية الثمانينيات في الجزائر تعرف بعض الإصلاحات الاقتصادية والسياسية مع بعض الانفتاح على الممارسة الليبرالية في هذين المجالين و التخلي عن الدعم السياسي لليسار والاتجاه نحو دعم الإسلاميين لهذا التوجه الجديد. و هنا دخل الحقل الأدبي فيما يسمى ب”مرحلة بالشك”، من حيث الموضوعات و عوض التفاؤل برز التشاؤم في لنصوص الروائية، و انتقل الكتاب إلى ما يسمى بالواقعية السحرية والعجائبية للحديث عن الواقع الاجتماعي و السياسي، فكانت “تجربة في العشق” للطاهر وطار و “الجازية والدراويش” لعبد الحميد بن هدوقة و “نوار اللوز” للعرج واسيني وغيرها من النصوص التي واكبت تلك التحولات العميقة للمجتمع الجزائري الذي دخل في مرحلة جديدة تنبئ عن انكسارات غير مشهودة.

و قد تفجر الصراع السياسي مع نهاية الثمانينيات و من خلال أحداث أكتوبر 1988 و تم تدمير “الإجماع الوطني” وبرزت إلى السطح جميع المكبوتات السياسية و الأيديولوجية والثقافية، و كانت نتيجة هذه التناقضات المتفاعلة إرساء تعددية سياسية و إعلامية كبيرة، وجد فيها الأدباء فرصة سانحة لإبراز مواهبهم و نشر نصوصهم، و دخولهم في الجدل السياسي الذي رافق تلك التحولات العميقة و التي أدت في سوء تسييرها إلى الباب المسدود و إلى اقتتال شنيع بين الجزائريين لم يسلم منه أحد حيث برز العنف في هذه المرحلة “بوصفه نتيجة للفشل في ضبطه من خلال الآليات التي تكون من الناحية الطبيعية موضوعة لاحتوائه لأجل منعه من تجاوز مرحلة الصراع” . هذا الصراع وجد من يعبر عنه و يقدم شهادته من قبل أدباء جدد ظهروا في هذه المرحلة طبعوها وانطبعوا بها (بشير مفتي و حميد عبد القادر وإبراهيم سعدي و ياسمينة صالح وغيرهم…)، و هو أدب المحنة القاسية التي مر بها المجتمع الجزائري بوجه عام و المثقفين و الأدباء بوجه خاص.

نجد أن الأجيال التي برزت في هذه المرحلة قد بدأت تتراجع عن هذا التوجه التفاؤلي وعن التماهي مع الخطاب السياسي النافذ و تنتقد بعمق الممارسات السياسية للسلطة وترى أن سوء التسيير للبلاد هو الذي أوصلها إلى ما هي عليه، و يبرز ذلك من نصوص كل من بشير مفتي و حميد عبد القادر و إبراهيم سعدي، و غيرهم من الجيل السابق ممن نشروا روايات في هذه المرحلة من أمثال الطاهر وطار و لعرج واسيني ومرزاق بقطاش و الحبيب السائح و أحلام مستغانمي،….

و مع بداية الألفية الثالثة و مع عودة الهدوء و الاستقرار بشكل لافت مما منح للمجتمع وللمؤسسات مما منح لهم مهلة و لو قصيرة ليرتاح الجميع و يضمد جراحه و يتعافى من صدماته – و لو بشكل فيه الكثير من الصعوبة- إلى حين انطلاق حراك 22 فبراير و لا شك أن للأدباء لهم ما يقولون حول هذه المرحلة الجديدة.

ضعف المؤسسة الأدبية :

التدخل في النقاش السياسي و الأيديولوجي من قبل الادباء لا يعكس حضورهم المميز ويرفع من مقرؤيتهم بقدر ما يعكس عجز الحقل الأدبي في مختلف تجلياته بسبب ضعف وضعف المؤسسات المرافقة له و عدم ايلائها للأعمال الأدبية القيمة التي تستحقها وأولها وزارة الثقافة التي تعاني كثيرا من سوء تسيير هذا الحقل و ثانيها وزارة التربية التي لم تدرج نصوص الادباء الجزائريين في برامجها و كذا دور النشر التي تفتقد إلى المهنية المطلوبة، على الرغم من عددها الكبير، إذا استثنينا بعض دور النشر مثل “الاختلاف” و”البرزخ” و “الوطن اليوم” و”الجزائر تقرأ” و “خيال” و “ميم” .

و لعل ما يميز الحقل الأدبي في الجزائر كذلك يتمثل في غياب المتابعة النقدية، و غياب هيئات التثمين و الترقية، و غياب المجلات المتخصصة و قلة الندوات و المقاهي الأدبية وضعف النشر الذي تغيب عنه الترقية و الإشهار، و هي عوامل غير مساعدة مما يدفع ببعض المبتدئين إلى النشر على حسابهم الخاص مما يضعف العملية الأدبية و القيام بالإشهار لأعمالهم عبر المواقع و الشبكات الاجتماعية بخاصة، و هي أدوات غير كافية. و مع ذلك هناك بعض الفضاءات على قلتها إلا أنها تسعى لتنشيط الحياة الثقافية و الأدبية مثل ما يقوم به كل من حميد عبد القادر ولامية أورتيلان في الصفحة الثقافية لجريدة الخبر و علياء بوخاري بإشرافها على “لنادي الأدبي” بجريدة الجمهورية و نوارة لحرش من خلال “كراسات ثقافية” لجريدة النصر، وبعض المواقع الثقافية مثل موقع “نفحة” وموقع “نوافذ ثقافية” و تأسيس لمجلة متخصصة تحمل اسم “أبوليوس”تبركا بصاحب “الحمار الذهبي” و الخاصة بالجنس الروائي.

هذه مجموعة من الملاحظات حول الحقل الأدبي في الجزائر، و هي غير كاملة و غير شاملة، و يستدعي الأمر قراءات أخرى و بحوث مستفيضة لإبراز مميزات الحقل الأدبي في الجزائري و فحص تحولاته و النظر في كيفية انخراطه في الحقل الأدبي العالمي.

اترك تعليقا