حانة الست في سبيل تفكيك الرواية التاريخية / د غزلان هاشمي
بواسطة admin بتاريخ 10 ديسمبر, 2021 في 07:25 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 221.

 تحاول رواية “حانة الست” للكاتب المصري “محمد بركة” أن تقوض السيرة الذاتية/ التاريخ الرسمي وتهدم مرتكزاتها، فهي حديث بصيغة المتكلم لكنه ليس المعني بالأمر ـ أم كلثوم ـ وإنما يتولى الكاتب الحديث على لسانها، لذلك يخوض في المسكوت عنه ويقوّلها مالم تقله في محاولة لسد الفجوات الحكائية والارتكاز على تيمة التغاير تفكيكا للرواية المركزية وهدما لقداستها أو سلطتها السردية .

إن الحانة التي تطلق على المكان الذي يباع فيه الخمر يعد مكانا هامشيا ممقوتا، كما أنه ينفلت من الرقابة الاجتماعية والدينية والعرفية نظرا لتسيجه بالغياب والتحافه بالسرية، وكأنما هنا النص ممارسة كتابية آثمة هويته الالتباس لأنه يتحدى الرقابة ويقدم نصيات مغايرة تصدم المتلقي وتزعزعه وتنسف مسلماته بل وتربك اعتقاداته، وأما الست التي تفترض الرفعة والمكانة العالية وعلو المقام فتصطدم بلفظة “الحانة” التي تجعلها موضعية تجمع بين الدناسة والقداسة، حيث تنتفي المعيارية وتنتهك القيميات المتوارثة ويتم الاحتفاء بهوية التعدد والاختلاف.

 الهامش في مواجهة السلطة المركزية:

يفكك الكاتب الاسم المنبني على تاريخ من الطمس الذكوري، فبعد أن يسرد الوضع الهامشي الذي كانت تتموضع داخله البطلة، من انقطاع عن التمدرس ومرض وصور نمطية يشكلها المخيال العام بسلطته التحفيزية، يبين كيف أن الإحالة التهميشية أو الاستعارة التبخيسية تلاحق الذات/ أم كلثوم، حينما تتسمى بهوية تلتحف الغياب”أم” من خلال تعويضها بالممارسة الأنثوية التقليدية، حيث تتحول إلى مجرد تابع للسلطة الذكورية “كلثوم” والذي يرمز إلى التسيد والهيمنة واستبعاد الأنوثة من مركزية الحضور في عالم هو في حد ذاته يرزح تحت دونية قدرية، هو عالم الهامش/القرية، “أنا ابنة الفلاحين المعدمين التي لم تحصل على شهادة دراسية واحدة، تدهورت غدتي الدرقية فصار جفني يليق بساحرة تسكن المقابر، وحين ارتديت نظارتي السوداء صباح مساء طبعت واحدة من أعجب الصور النمطية لعجوز لا يوجد مايثبت أنوثتها سوى خانة النوع في بطاقة الهوية.

اسمي مركب، يقع في منطقة محايدة تتجاوز التصنيف التقليدي، أم تعني أنني صرت رسميا من ذوات تاء التأنيث، اما كلثوم فتعني أن ذكرا ما أحمله على ظهري في الحل والترحال”.ص 5.

تقدم الرواية ملمحا عاما عن المجتمع الذكوري الذي يهمش الأنثى ويصفها بصفات تبخيسية في مقابل تعظيم ذاته وتعزيز مركزيته وفوقيته، لذلك تتلاشى هوية أم كلثوم وتطمس معالمها خضوعا لسلطة العائلة وسلطة المجتمع/ سلطة الرقابة وقيمياتها المتوراثة ورؤيتها الاختزالية/الاصطفائية، ولو أن السلطة وسطة العائلة أقل وطأة حينما يتعلق الأمر بالامتيازات المادية، حيث يتخلى الوالد عن بعض امتيازاته السلطوية في سبيل تحقيق مكاسب آنية، ويضحي ببعض عنجهيته فاسحا المجال لفاصل حكائي يحتفي بالهامش/الأنثى رغم التحافها الغياب والتباسها بهوية مستعارة/استبدالية، “تعلمت أن الأنوثة عار فعشت أجمل سنوات العمر متنكرة في عقال بدوي ومعطف أزرق وحزام يشد البطن حتى أبدو للجميع رجلا من ظهر رجل، فتتجنب عائلتي فضيحة أن لديها ابنة تغني، عائلتي التي لا تمانع أن تثرى ثراء فاحشا بسبب حنجرتي لكنها ترفض أن أبدو للناس على طبيعتي كما أرادت الأقدار. جسدي ينطوي على فضيحة محتملة ..”.ص 6.

تحكي الرواية عن مركزية الرجل في مقابل هامشية المرأة، فالمجتمع العربي يحتفي بالقيم الذكورية ويرى في الأنثى مجرد وجود عرضي هامشي لا طائل منه، بل ولا يكتفي بذلك بل يموضعها في إطار تبخيسي/احتقاري حتى تصبح في المتخيل الاجتماعي رمزا للعار والفضيحة والابتذال، لذلك لابد من التخلص منها أو طمس حضورها، بينما الذكر مركز الكون وسيد الراهن وصاحب الاستحقاق والكمال المطلق الذي يمتلأ المكان به ويمتلك هوية متعالية، “تعرف الداية أن الأب إمام ومؤذن وحافظ كتاب ربنا، لكنه في النهاية لا يريد سوى الذكر، يشتهي كبرياء الزائدة الصغيرة وليس عار الشق الأنثوي، يبغي ولدا ثانيا يتعكز عليه حين يهن العظم منه ويشتعل الرأس شيبا”.ص11.

في حضرة الاسم:

تختار الأم /الهامش اسما مغايرا لابنتها يحمل رغبة في التمرد على السلطة الذكورية، ويخفف من إمكاناتها المتعالية حتى وإن لم يقض عليها نهائيا، فالمحو الرمزي انتهاك للمركز واحتفاء بكينونة مختلفة مصاغة ذاتيا، ورفض للاعتبارات الهوياتية المتوارثة التي تجعل الذات/أم كلثوم مجرد لاحق يتحدد معناه بالنظر إلى وجود الآخر/الرجل، من هنا تصبح الأم البداية الفعلية للتحقق والاتجاه نحو الانفصال الجزئي، من خلال حيازتها بعضا من السلطة الرمزية في تشكيل حضور يقارع الاعتراض الاجتماعي على وجود الطفلة/أم كلثوم ويحاول نفيه،  “سيكون هذا تمرد أمي الأول والأخير، أن تناديني باسم يخالف اختيار أبي الذي ظلت تناديه بـ”الشيخ إبراهيم” حتى آخر يوم من حياتها، لم تلفظ اسمه مجردا من اللقب مرة واحدة ولو على سبيل السهو أو الغضب، كأنها ستخدش شيئا مقدسا أو تكشف المستور عما يجب أن يظل محجوبا”.ص12.

يؤكد النص على وجود الثنائيات الضدية في المجتمع المصري، والتي تنبني على التراتبية والتحيز وإيديولوجيا الانتقاء، فالأنوثة تمثل الطرف الأضعف، هامش الحكي والحياة والوجود، وجودها عرضي من أجل خدمة الرجل مهما كانت صفته، بينما الذكورة تمثل الكمال المطلق ومركز الكون وسيد الوجود، وذلك الاعتلال العقدي تؤكده المسميات في حد ذاتها، فالتعاظم واضح فيما يلحق بالذكر مهما كان سنه “الشيخ خالد”، بينما نجد التحقير والتبخيس وتحويل الآخر إلى لاحق من أجل تغييب وطمس هويته”أم كلثوم”، “هناك قانون الأنوثة والذكورة، لابد لكل أنثى من ذكر تعبده، توقد له الشموع في معبد بأعمدة منحوتة من الجرانيت الوردي.وبما أنني كنت أصغر من تقديم قرابين التقديس والطاعة لأبي، كان الشيخ خالد هو البديل المؤقت، عجلي المقدس الذي أسجد له حتى لو كان من حديد صدئ “ص14.

تحمل الذات صورا انتقصاية يطلقها الآخر بهدف موضعتها في إطار التابع الذي لا يتحرر منه أبدا، فالمرأة رمز للحزن والضيق والهم، حالة مؤقتة عرضية تتوارى خلف استعارات وتلفيقات وتاريخ من الاستبداد، بينما يتمتع الأخ بمركزية مثولية تعبر عن اعتلال اجتماعي منبني على نفسيات مقهورة متآكلة تتقبل الموضعية الانتقاصية والهامشية المطلقة في حضرة الذكر/الأخ، “صرت رسميا قرينة الحزن، مرادفة للضيق، أبعث على الشعور بالهم، ضيفة حلت على العالم في التوقيت الخطأ فلم يتم الترحيب بها…أحضان أمي انفرد بها أخي حصريا، أبي كفلاح مصري أصيل يتعامل مع الرقة باعتبارها رجسا من عمل الشيطان، قد تكون موجودة مثل حبة قمح في الطبقات المنسية من حقول الروح، لكن إظهارها يعني أن نودع رجولتنا إلى الأبد”.ص19.

تصاغ ملفوظات من قبل الرجل/المركز تسمية للمرأة/الهامش، حيث يتم تغييب المسميات الحقيقية حتى في العائلات التي تدعي التقدم وتتميز بالثراء، وتعوض بتعميمات ظاهرها التعظيم /الكثرة وظاهرها التحقير والطمس والإلغاء، فالجماعة على إطلاقها هوية متعددة وحضور لا يعتد بالفردانية إلا بمايحقق انسجامها ويتحكم في نظامها، لذلك تتوارى الذات خلفها من أجل التأكيد على أن وجودها رهين بالكل، “لن تكون المرة الأخيرة التي سينقذني فيها صوتي من ورطة الاستعباد، الناظر الذي يخجل من كلمة زوجتي فيشير إليها بالجماعة لابد أنه تحدث معها عن طفلة أعجوبة ستسليها مثل أي ببغاء ذكي.لأول مرة، أجلس على سجادة فاخرة وأرى أطقم الكراسي المذهبة”.ص22.

تصور الرواية المفاضلة البينية التي تغذيها الاعتبارات النفسية والتقاليد الاجتماعية التي تجعل من الذكر صاحب الحيازة المطلقة والسلطة الحضورية، فلأنه مركز الكون وسيد البيت والمجتمع تمتد سلطته الرمزية من يوم مولده حتى مماته، حيث يشكل الاستثناء ويعزز الاصطفائية المقيتة التي تجعل الأنثى تابعا لا يتحدد معنى حضورها إلا بمقدار ماتحققه من سعادته حتى وإن ضحت بحضورها الكلي، “في كل مرة لا يستطيع أبي شراء جلباب جديد لأخي وجلابية لي بالوقت نفسه، لابد من المفاضلة بيننا..يربح الذكر دائما.يرتدي خالد ثوبه الجديد بينما أكتفي بحضن مواساة من أمي مع وعد لا يتحقق بتعويضي العيد القادم”.ص33.

صياغة الحقائق:

تتحدث الرواية عن صياغة الحقائق، وكيف يتم التلاعب ببعض الأحداث التاريخية من أجل تمرير رسائل معينة، ومن أجل توجيه الرأي العام نحو تقبلها، فالانتقاء ماثل في الخطاب الإعلامي، حيث تستقطع أحداث معينة من سياقها العام ويتم تأويلها بمايوافق تحيزات ورغبات وأهواء، وهذا التضليل خدمة لأغراض ومصالح أجندة إعلامية وثقافية وغنائية، حيث يتحول الإعلام هنا إلى سلطة مرجعية تفرض رؤيتها وإيديولوجيتها، لذلك يجعل الكاتب من البطلة تتحدث عن شيخ الملحنين في مصر( أبو العلا محمد)، لتفند ماصوره الإعلام وتقدم رؤية مغايرة، رؤية تمثل المضمر أو المسكوت عنه، “شكرا للأقدار التي جعلت عجوزكم الوقور ـ صاحب الصوت العميق، الحارس على بوابة المدينة الفاضلة ـ يجسد شخصية حبيبي في المسلسل اليتيم الذي يحمل اسمي.بسبب تلك المصادفة التلفزيونية، ترسخت الكذبة البيضاء التي ألقيت بها ذات مساء وتكفل الأتباع بالسهر على بذرتها:الشيخ أبو العلا تفصلني عنه سنوات ضوئية ولا يمكن أن يكون إلا في منزلة الأب بالنسبة لي”.ص 76.

المركز والعقلية الاصطفائية:

تقدم الرواية صورة عن التراتبية الاجتماعية المصرية، حيث ينقسم الوجود إلى عالمين:مركزي وطرفي، فأما عالم المركز/الوجهاء يرتكز على صور الاستعلاء والفوقية، لذلك يتخير لهم صاحب الزفاف الشخصيات الغنائية التي تنتمي إلى الطبقة العليا الشهيرة، ويوفر لهم الظروف التي تضمن لهم الراحة النفسية والبدنية، وأما العالم الطرفي/الفقراء فهم الطوافون على الموائد بحثا عن لقمة تسد الرمق، لذلك تهدر كرامتهم بالتمايز الطبقي والتعامل الدوني والإحالة الرمزية نحو المطموس والمنسي حينما تستقدم لهم أصوات غنائية من عالم الهامش/الطبقات الهشة، وتوفر لهم أدنى مظاهر الرفاهية ويتم التعامل معهم بعقلية اصطفائية تغالي في إذلالهم وتبخيسهم،  “يستقدم الأثرياء اثنين من المطربين في حفلات زفافهم:الأول للوجهاء والآخر للغلابة، الأول صييت معروف باسمه، يرتدي البدلة مثل الشيخ حامد مرسي وعبد اللطيف البنا، تستجلب له مولدات الكهرباء، ويغني في الوقت الأساسي للحفلة، والآخر معروف بصفته، يرتدي الجلباب البلدي، مثل القهوجي وحسين المكوجي، يشتغل بمهنة أخرى ويضع لافتة من نوع:حلواني ومغني، تستجلب له كلوبات الغاز ولا يغني إلا في وقت الاستراحة.

أنتمي للنوع الثاني، مطربة الفقراء:منهم وإليهم”.ص109.

تتحدث الرواية عن القابلية للإذلال لدى فقراء مصر، فحتى في حضرة سيد متواضع يقبل الندية ـ مصطفى عبد الرزاق ـ يشعر والدها بالإرباك ويرى بأن الوجود المنبني على التراتبية تزعزع نظامه ولابد من عودة الأمور إلى نصابها حتى تعود الطمأنينة إلى قلبه، فالذات إذن تتغاضى عن الإمكان الواجب لتجعله في صيغته الاحتمالية، حفاظا على تقوقعها في نظام صيغي محدد غير منتهك، وهذا يؤكد على أن الشخصية المستلبة ترفض أن تتحرر من تبعيتها، إذ تعيش بوصفها هامشا/تابعا مؤكدة دونيتها وعدم قدرتها على الاستقلال عن المركز، “يرفض الندية، كلما كان السيد بسيطا ومتواضعا كلما ارتبك أبي، يريد أن تمضي الأمور في مسارها الطبيعي، أن يكون السيد متعجرفا أو على الأقل متحفظا، هنا يكون الموقف مفهوما”.ص 123.

وتستمر الرواية في إعطاء صور عن الوصاية الممارسة على المرأة من قبل المجتمع، حيث ترفض العراق استقبال النساء غير المتزوجات، وهو مايؤكد على نمط التفكير المترفع الذي يرى المرأة هامشا أو تابعا لا يمكن تحقق هويته إلا بوجود متبوع/مركز، ولا يمكن أن تتحمل مسؤولية ذاتها ولا أن تحقق انسجامها إلا في حضرة رجل، وهذه الشرطية تؤكد على العقلية الاستعلائية وعلى الاصطفاء المطلق الذي يحظى به الذكر في العرف الاجتماعي العربي مهما كانت مكانة المرأة، لذلك تبرز موقف والدها حينما تتحدث عن زواجها السري و الصوري الأول من الشيخ عبد الرحيم صاحب مطبعة الرغائب وصديقه، لإجراء أربع حفلات في بغداد مقابل مبلغ مغري جدا، فقد كانوا يشترطون زواج النساء لاستقبالهن، حيث قال والدها:

يابنتي زواج صوري، مجرد توقيع على ورق، نعقد القران ونمسك في أيدينا موافقة الزوج على السفر ثم تتوكلين على الله، وبعد مانقضي مصلحتنا كل واحد يروح لحال سبيله ويادار مادخلك شر”.ص 186.

المسكوت عنه في الرواية:

خاضت الرواية في الكثير من الأحداث المسكوت عنها والتي حاولت المؤسسة الثقافية الرسمية طمسها وتغييبها، فتحدثت عن الملحن زكرياء أحمد الذي أدخلها المحاكم بسبب النقود ثم تصالحا، عن الأغنية التي طلبت حذفها من الأسواق نظرا لخلاعتها، وكذلك عن اغتيال سيد درويش على يد الإنجليز:”سهرت طوال الليل يعذبني السؤال:من هو سيد درويش هذا حتى يقلدوه لقب فنان الشعب؟ماهو منجزه حتى يتحول إلى أسطورة في هذه السن الصغيرة؟بحسب معلوماتي، الرجل لم يخلص في حياته لشيء قدر إخلاصه للكوكايين والويسكي والفشل، فشل بنجاح منقع النظير في كل شيء”.ص 135.فالسردية هذه تنتهك السردية المركزية وتزعزع مسلماتها، إذ تنبني على الاحتمالية وترفض التموضع في صبغة مؤسساتية/سلطوية، تجعل من الذات/أم كلثوم تقف في خانة التأليه والقداسة والتعالي، وهذا ما يؤكد على أن الكاتب يدعو إلى قراءة مغايرة لتاريخنا، تقوم بأنسنة شخصياتها ووضعها في إطارها الحقيقي الذي يجردها من اعتباراتها المتعالية ويجعل من الخوض في مسافاتها المغيبة لا يعد مساسا بالذات الجمعية أو بالذاكرة القومية.

صراع القيم في المجتمع الحديث:

تقدم الرواية توصيفات المجتمع الحديث بعد تفكك المجتمع القديم، حيث صراع القيم وتضاربها وتعارضها بين الريف والمدينة، فالذات تعيش زمنية مستعارة وتحاول التسيج بهوية غيرية، لكنها تجابه بالتغاير المضفي إلى غربة الذات، حيث تصبح المعلومات الشخصية مشاعا قابلا للتداول، وتتلاشى الخصوصيات بدعوى الحرية، لكن تبرم الذات/أم كلثوم من المجتمع الحديث ولغة الكاتب الاعتراضية على لسانها تضمر كشفا للانفلات القيمي من جهة، ومن جهة أخرى تصويرا للمال العام الذي 

يهدر في حفلات غنائية لا تقدم شيئا ولا تضيف لتطور الدول وتحسين اقتصادها، حيث تتحول الثقافة ـ ممثلة بالغناء ـ إلى سلطة حضورية تستنزف الإمكانات العامة وتختزل الثقافة والإنجازية في الغناء الذي يصنع دكتاتوريات وذوات متألهة ترى نفسها فوق الجميع، “الوجه الآخر للمدينة المغرقة في الكرم والجمال وقاحة بلا حدود وخيانة للعهد، تعاقداتي تتسرب بالتفصيل تحت مسمى حرية الصحافة، خبايا أنشطتي الفنية تظهر للعلن بحجة تقاليد المجتمع الحر، إحدى الصحف قالت إن أجري في حفلة واحدة ببيروت زاد عن الرقم الذي دفعته الحكومة المصرية في صفقة استيراد تفاح من لبنان:تقاضيت 80 ألف ليرة بينما كان إجمالي الصفقة ستون ألف.يقارنون هرم مصر الرابع بشحنة فاكهة”.ص183.

هذا ويعرض الكاتب للعلاقة المتصادمة بين الفنانين، حيث يتحول الغناء إلى سلطة مرجعية يمارس أصحابها نفوذهم من خلال توجيه الإعلام والرأي العام عامة لضرب مصالح بعضهم البعض، حيث تتوارى الإمكانيات الذاتية مقابل الصياغات المتحيزة للذات في هذا الصراع، فعن منيرة المهدية يبين كيف أطلقت على أم كلثوم ناقدا مسرحيا مبتدئا اتهمها في شرفها وكاد يقضي على مستقبلها المهني حينما قرر والدها مغادرة القاهرة لولا تدخل شخصية نافذة، “استخدمت الشاب الصعيدي المشتعل طموحا ليكون أداتها في حرب رخيصة ضدي، الصحفي الذي سيدخل التاريخ من أحط أبوابه باعتباره القائد والمعلم في فن الصحافة الصفراء، فشل الشاب في اغتيالي معنويا بطلقة مسمومة تعزف على وتر الشرف.لم تضيع السلطانة وقتا، على الفور استبدلته بعشيق آخر..من علية القوم هذه المرة، الباشا المثقف، خطيب الثورة المفوه، شيخ الصحفيين.كتب عنها مقالا في الأهرام بعنوان”معجزة الموسم” واصفا إياها بالسحر الحلال فكافأته بسخائها المعهود”.ص 195.

ولا تكتفي بهذا النمط السلطوي وإنما تتجاوزه نحو السلطة السياسية حيث الحاكمية المطلقة والرغبة في التملك، لتفضح التركيبة الاجتماعية المصرية التي فرضت طبقية محددة، وتعارض واضح بين مركز متعال/السادة وهامش دوني /العبيد، “”طالما رفضت الزواج من سيدك فستعيشين عانسا طول ما أنا على قيد الحياة”.

الملكة الأم تبعث برسالة تهديد شفوية لأنني نسيت نفسي كما نسيت الفارق بين السادة والعبيد، تجاسرت ورفضت أن أتزوج أنا الفلاحة بنت الفلاحين من أخيها شريف باشا صبري، تمردت على الدم الملكي ولم أقبل أن يخالط دماء الرعاع من أمثالي”.ص 197.

سعى الكاتب إلى سد الفجوات الذاكراتية، حيث نصب نفسه مفسرا واستلم سلطة الحكي والصياغة التخييلية، لذلك أعاد تشغيل العديد من السرديات الشعبية التي أججتها سلطة الإعلام فيمابعد، وجعلها تحكى على لسان البطلة حتى تتحرر من اعتباريتها لتضلل القارئ وتضعه في احتمالية قمعية بعيدا عن سلطة الحقيقة أو خطابها المتهالك، ومن بين هذه الأحداث زواجها العرفي من الملحن محمود الشريف، تعاملها مع محمد عبد الوهاب، محاولة تغييب عبد الحليم حافظ ، الخلاف الذي وقع بينها وبين زوجها الطبيب وتدخل الرئيس جمال عبد الناصر لإنهائه، والكاتب هنا يتعمد عدم ذكر الأسماء في مواضع بوحية كثيرة ليؤكد على الشخصية النرجسية والفوقية التي كانت عليها أم كلثوم.”أشتهي التعامل معه وأخشاه في الوقت نفسه كما تخشى عجوز صورتها في المرآة، لم أنس مافعله مع السلطانة.مع ظهور مطربات جديدات في ريعان الصبا مثلي ومثل نجاة علي، شعرت باقتراب أفول نجمها فلجأت إلى تقديم أوبرا كليوبترا على مسارحها لاستعادة شيء من بريقها القديم، أسندت المهمة إلى الموسيقار المحبوب سيد درويش لكنه توفي دون استكمال تلحين العمل فلجأت إلى النجم الصاعد، تعامل معها بأنانية شديدة على حد تعبير الصحف التي انتقدت قيامه بوضع ألحان رائعة لنفسه في حين وضع لها ألحانا شديدة العادية، فشلت المسرحية ليبدأ فصل النهاية وتدخل المسكينة في حالة من الحزن والاكتئاب”.ص 251.

على سبيل الختام: هل الرواية تخوض في المسكوت عنه فعلا؟

رغم أن الرواية تدعي الخوض في المسافات المعتمة من التاريخ المصري، إلا أن الكثير من الأحداث معروفة ومتداولة شعبيا وإعلاميا، فقط تعد الصياغة الروائية تحديا لسلطة الرقابة، وتأكيدا على الكتابة التاريخية البعيدة عن الرسميات التي تؤله الشخصيات وتسيجها بهالة من القداسة والتعالي، كما يعد الحديث بضمير المتكلم /أم كلثوم سيطرة على المسار الحكائي وسلطة تمثيلية تتوخى الحفاظ على مركزيتها، إذ لا تحييد للمنطق التأريخي، لذلك فالصياغة الانتقائية تفرض مواضعاتها وهو مالايرغب الكاتب الاعتراف به، حيث يمارس المجتمع والمخيال الشعبي سلطته، وتطفو ذات الكاتب في الحوارية الداخلية والخارجية ثم سرعان ماتتوارى وتحتجب لتؤكد في تصريحاتها أن كل ماورد هو من صنائع التخييل وضرورات الكتابة الإبداعية، وهذا الإقدام والإحجام يؤشكل النص ويوهم المتلقي أنه أمام أسرار كبيرة غير قابلة للتداول ـ رغم أنها معروفة سلفا ـ، وربما ذلك هو من باب التصيد والتحفيز والتفخيخ غير المعلن والدعوة إلى التداول النصي الروائي.

 

اترك تعليقا