“هاوية المرأة المتوحشة”، كتابة لمقاومة النسيان ..إضاءة نقدية على مستوى السرد والنسق الدلالي / ربيحة حدور
بواسطة admin بتاريخ 7 يناير, 2022 في 02:46 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 232.

رواية “هاوية المرأة المتوحشة” نصّ روائي من إصدارات دار ميم لسنة 2021 حامل لوعيّ ابداعيّ ناضج يفكك بروية المسار التاريخي للجزائر ونتائج ما بعد الانتكاسة السياسية بين الحزب السلفي والنظام، يركز فيه الكاتب على تكثيف المضامين الاجتماعية والتاريخية وتعديد التقنيات السردية وخلق تعالقات نصّية يمكن دراستها ضمنّ محاور التعدد اللغوي والتهجين الخطابي، جاعلا “الهاوية” بؤرة مكانية لتوسع البنيات الحكائية وتمططها.

“هاوية المرأة المتوحشة “مملكة منيعة للمتمردين والمهمشين والمنبوذين” ص17 الفضاء السردي الذي يحمل أبعادا دلالية تتجاوز كونه مسرح أحداث مستذكرة هاوية المرأة المتوحشة، هي المكان المهمش تاريخيا فلا يعلم تاريخ تسميتها وقصة الأم التي سميت الهاوية بها إلاّ القليل مع تزوير واضح للتاريخ، هذه المرأة التي فقدت ابنيها ليست في بعدها الدلالي سوى الجزائر التي فقدت الثورة وفقدت الأمل في بناء دولة السلم والديموقراطية. هي الأم/الوطن الذي تعرض لتزييف تاريخي يحتاج تصحيحا مشتركا ومبادرة صارمة إلى القيام بذلك، لذلك يقول السارد مرزاق عن صديقه دحمان الذي التقاه في بلاد الغربة: “ولم يكن يفصل بيننا الا هاوية المرأة المتوحشة او بالأحرى ما يربطنا” ص160 إنّ ما يربط بين كلّ هذه الشخوص المهزومة نفسيا هي الذاكرة المعطوبة ومعايشتهم وضع الذل والخضوع بعدما كانت مطامعهم تنتظر دولة جديدة أفل وجودها بسبب قلة وعي الشعب فـ”لا يزال الناس في البلد يمتازون بصفاء السريرة التي غالبا ما يجيّشها أصحاب المصالح الشخصية ويستميلها غليه السياسي بنبرته الحزينة او بتذكيرهم بالطابور الخامس وبالأيادي الخارجية واذناب الاستعمار” ص129.

فعّل الروائي التقاطبات المكانية وعكس دلالاتها المعروفة كالمصحة النفسية التي تبدو أكثر رحمة وقبولا للتعايش من الفضاء الخارجي الاجتماعي المشبع بالدموية والاقتتال. الكتابة هنا تصبح محاولة لمعالجة رضوض الانكسار التاريخي وترميم التداعيات النفسية لمرحلة العشرية السوداء والقراءة في فضاء مغلق مراقب تصبح علاجا نفسيا لأزمات الوعي الجنون لم يكن يوما داخل المصحة بل خارجها.

تميّزت هذه الرواية باستثمار دقيق لأسلوب السرد السينمائي وتقديم صورة مشهدية عرضية للحدث وتاطيره مكانيا عبر اعتماد ما يمكن تسميته بالعدسة اللاقطة تقنية Camera eye فيحدثنا السارد عن اقتناءه الجاكيت الكاميرا السردية تتبعه. محور يدفعه للتباهي والخروج من البيت فيستقدم الروائي به الشخصية التي تريد تجربته (زيكو) يتم التركيز على فرحه بتجريب الجاكيت بوصف دقيق للإطار المكاني ثم فجأة طلقة نارية يُقتل ويقع أرضا. الجاكيت يتلطخ بالدماء. سرد سينمائي يتم تمطيطه عبر 13 صفحة للوصول على بنية حدثية كبرى الاغتيال فيتحقق إدراك المتلقي بأنّ الأحداث تقع في فترة العشرية السوداء التي يقتل فيها رابح، ساعد، زيكو، مونيا أصدقاء السارد مرزاق بن سيدهم مما يتسبب في دخوله مصحة نفسية.

اعتمدت الرواية على مستويات سردية متعددة فمازج الروائي بين السرد الاستذكاري المركب (السرد الاستذكاري مثلا فيم حصل من أحداث داخل مصحة 1995 عندما كان في عمره 25 سنة والذي يحمل في داخله بنيات استذكارية صغرى/ تشذير سردي) والسرد الآني بعد الخروج من المصحة.

من جماليات هذه الرواية التي تبين عن تمكن الروائي من تفصيص السرد اهتمامه بالجزئيات التي يعود إليها مع نهاية كل بنية حكائية مصغرة يمكن أن نمثل عن ذلك بمشهد يخفي فيه العم بوعلام عن مرزاق فور رأيته قدومه شيئا في جيبه، يحكي له عن قصة المرأة المتوحشة بشكل يكاد ينسينا على امتداد صفحات الحدث الأول وبعد نهاية الحكاية لا يغفل الروائي عن إعادة إتمام معرفة القارئ فيدرك ما أخفاه العمّ وهي علبة فضية لصناعة الشمة، وهكذا فإنّ الروائي لا يترك الأحداث دون اتمامها ويتعمد تأخيرها لتوليد بنيات حكائية داخلية يعتمد فيها على التناوب السردي بين الراوي والمروي له على الطريقة الشهريارية. التقنية ذاتها تتكرر (بحضور مروي له) مع حدث هروب عليلو حاملا في يده سمك السردين الذي احضره الى منزل الخالة نجمة والدة رابح واختباءه في مخبئه الخاص سيخبرنا بعد سلسلة وقائع عن شكوى والدة رابح من رائحة فضيعة تكتشف فيما بعد انّها من السردين.

لقد عمد الروائي إلى جعل نصّه قائما على التوازي فاعتمد على الساردين مرزاق ودحمان إضافة إلى سارد عليم متباين حكائيا حين يتعلق الأمر بإتمام معلومات عن شخصية يتمّ التمهيد لها قبلا (التقى في لندن بحسن وباستخدام السارد العليم يتم تقديم معلومات كافية عن معاناة حسن في الهاوية المتوحشة خصوصا بعدما أخطأ في رسالتين فسلم التي تحمل خطاب ولاء لفرنسا الى الوالي وقدم التي تحمل تفنيدا لمجازر فرنسا للرئيس الفرنسي الذي استغلها ليظهر ديموقراطية فرنسا وحرية التعبير ما جعله يظهر بمظهر الخائن لوطنه في إحالة رمزية إلى دور الكتابة وخطورتها على المواقف الإيديولوجية) ورغم أنّ النصّ قد يبدو مفككا باستدعاء الكاتب فيه شظايا من الواقع المرجعي إلاّ أنّه مترابط بنيويا يستدعي قارئا يرافق المسار السردي بتأنٍ فينتظم الحكي على مستوى التلقي. يعكس هذا النصّ عدم الانسجام النفسي والاغتراب الذاتي ومحاولات دؤوبة لخلق الوعي: “لقد عودوني على جرعات منتظمة من مختلف الأدوية المهدئة والمنومة وهذا ما يشبه ما يقوم به بعض السياسيين مع شعوبهم ولم يكن الاختلاف إلا في الوسيلة” ص21.

هذا التنويم التاريخي للشعب هو ما يحاول الروائي إضاءاته بالدعوة إلى تمتين الذاكرة التاريخية (الرواية صوت الحقيقة المهمشة) وإضاءة مكامن الفشل العربي والجزائري من خلال تمكين القارئ من تكوين صورة واعية عن الفرق بين الغرب والعرب بعد سفر مرزاق إلى جامعة أوكسفورد الذي يتمثل في كون الغربيين قادرين على صناعة الفرح فمن يبتكر غير الفرحين؟ هذه المقارنة الحاصلة سرديا بين الفضاء الغربي والعربي تساءل صناعة الأنساق والوضع العربي وبراعة العربي في تهميش الفن الحقيقي وتقنينه الإبداع.

نصّ “هاوية المرأة المتوحشة” يهوي بنا إلى قاع النفس المتوحشة لنتساءل بدورنا عن القيم، عن الوطن، عن التاريخ وعن الذات. رواية تحفر عميقا وبروية عن سؤال: كيف يمكن أن تستحيل القيم هباءً فيقتل زيكو بدلا من مرزاق بسبب الجاكيت على يد دحمان الذي آواه واستقبله في لندن وزوّجه أخته؟ فترة اقتتال عبثي وسفك للدماء وانهيار للقيم كانت المنعطف التاريخي الجزائري الذي تسبب في انهيار الوطن وقيم البناء. هي الذاكرة المعطوبة التي لا يمكن الشفاء منها أو تجاوزها وأي قراءة للراهن النفسي والاجتماعي والتاريخي للجزائر يجب أن ينطلق منها ومن تأثيراتها على بنيات المجتمع الجزائري المختلفة. “إنّ هذا الطريق شاق وطويل والمسافة حبلى بالمسافة غير أنّك عجول تحاول أن تسبق خطواتك، الدرب معبد أمامك من أثر أقدام الألى مروا قبلنا فعبروا”.

اترك تعليقا