تجليات البحث عن الذات في رواية “عزيز و العذراء ” للروائية عايدة خلدون / خديجة مسروق
بواسطة admin بتاريخ 7 يناير, 2022 في 03:04 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 287.

الرواية مرآة المجتمع و لغته , تشخص حياة الأفراد بكل ما يحملونه من رؤى وأفكار و آمال و آلام , و فق رؤية شمولية تعكس الواقع , و تؤرخ له في صورة فنية جمالية .
ومع تطورالحياة و تشعبها , بدخول عصر التكنولوجيا , و نتيجة للأحتكاك الحاصل بين الثقافات العربية مع غيرها من الثقافات, وظهور موجة الحداثة الغربية التي مارست تأثيرها على الأنسان العربي بشكل أو بآخر , فانساق طواعية و كرها لهذا المذّ العارم .وأمام الطوفان العولمي الذي زعزع كيان الأمة العربية , و جد الفرد العربي نفسه موزعا بين مفهومين ( الأنتماء واللإنتماء) .
و مع هذا التطور تطورت مهمة الروائي , و بات من الضروري تجاوز فكرة نقل الواقع بحذافيره, في صورته المباشرة …الروائي العربي اليوم بحسه الفني يعيد صياغة الواقع , وفق رؤية سردية تزاوج بين ماهو واقعي وبين ماهو فني . في محاولة لإدراك مشكلات المجتمع و إشعال قناديل المعرفة داخل الأنفاق المظلمة لدي الشعوب , متحسسا دواخل ذواتهم و وماتنطوي عليه من هواجس و أفكار , و استثمارها في عالم الكتابة الروائية .
أنتجت الرواية العربية الحداثية بطلا أشكاليا مضطربا , يصارع كل معاني التوجس و اللاأمن و بالتالي الهروب من الواقع و الأنغماس في نفق الكآبة والحزن .
فكيف تجسدت شخصية البطل الأشكالي في الرواية العربية الحداثية ؟
إن التفاعلات الفكرية و الثقافية التي أثمرتها موجة الحداثة الغربية اليوم , أدت إلى ظهور بطل إشكالي في الرواية العربية الحداثية يختلف عن نظيره في الرواية التقليدية .
لقد كان تأثير التيارات الفكرية الغربية كالوجودية وغيرها , واضحا على الإنسان العربي اليوم . فذهب الروائي إلى تقديم صورة عن الإنسان وكأنه عبارة عن كتلة من الأمراض و العقد النفسية , و الإحباطات أضافة إلى شعوره بالهزيمة و الضياع .
بصمة الوجودية حاضرة في عديد من الأعمال الروائية العربية التي تنوع بطلها و الهدف واحد , و هو البحث عن الذات , و أزمة الصراع الوجودي .
من الأعمال الروائية العربية التي حملت رؤية وجودية واضحة رواية ( عزيز و العذراء ) للروائية الجزائرية عايدة خلدون .
عزيز و العذراء رواية ليست على قدر من السهولة التي يفهمها أي قاريء , اتسمت بالغموض . طبعتها شفرات تحتاج إلى قراءة فاحصة و قاريء متمرس حتى يتمكن من فك هذه الشفرات .
بطل الرواية (عزيز ) عاش رهين الصراع النفسي و الوجودي أمام تناقضات الواقع .
فكيف كانت رحلة عزيز في بحثه عن الذات ؟
و لماذا حاول الأنسلاخ عن واقعه . بالخروج من دائرة المنتمي إلى فضاء اللامنتمي ؟
رواية عزيز و العذراء اختلفت في بنائها السردي عن غيرها من الروايات العربية الحداثية . في أربع و تسعين صفحة لخصت الروائية رحلة عزيز الوجودية, عبر مفارقات سردية مدهشة تصدم القاري حينا وتمتعه حينا آخر
بأسلوب شائق ترجمت بواسطته عايدة خلدون الظروق النفسية و الأجتماعية و الوجودية لدى بطل الرواية , الذي غلبت علي حياته مسحة من اليأس والإحباط و التشتت . أطلقت الروائية العنان لخيالها في ممارسة فعل السرد , لتُحمّل القاريء عبء قراءة نصها الروائي المتشابك . و عمدت في بنائها للأفكار على لغة تميزت بالكثافة و الأيجاز . تعدت فيها نظام خط سير الأحداث التقليدي .لجأت إلى فوضى التعبير الجمالية في حلة فنية جذابة , تشتت ذهن القاريء , و تشده على إعمال حسه الفني و المعرفي لمحاولة الإمساك بالمعنى المقصود .
بطل الرواية عزيز مجهول النسب , جاء إلى الدنيا نيجة جريمة اعتداء ثلاثة عساكر فرنسيين على والدته ( فريدة ) ( لا يعرف هل هو ابن الأول .. الثاني .. الثالث أم الثلاثة معاً…) 1.كان كل يوم يطرح سؤاله على أمه المجنونة : ابن من أنا ؟ ( كم ستلدينني من مرة يا فريدة مجهولا … إلى أن يقبض الله رحمك و تبعثين في نار الجنة ) 2
وحشية البشرتحطم الإنسان وتعدم في داخله دبيب الحياة (كانوا ثلاثة جنود اغتصبوني , لسبعة أيام و ثمانية … لكن الخامس كان خرافي اللذة ..) 3. عزيز يعيش في (قسنطينة ) ” مدينة جزائرية ” , لا يعرف إلى أي ديانة ينتمي .و أي معقتد هو معتنق ؟ الإسلام أم المسيحية أم لا ديانة ؟
يعانق الريح علها تهب فتبرد نار السؤال بداخله ( بكل أنواع الجحيم لا يجد أثرا لأي فردوس ) 4. فريدة أعياها البحث عن الذاكرة فجُنَّتْ , و عزيز يغرق في الضياع , يفقد ثقته بالأخرين . هو لا يعرف النهار . يعمل عجانا للخبز في إحدى الأفران . لم ير في حياته سوى العتمة . يعود من العمل إلى منزله وسط الليل , الذي يختلط فيه غناء السكارى وعواء الذئاب , حيث يدخل العالم في هستيريا الصخب . و عزيز ( يتجنب غناء السكارى , … لا يكترث لحزنهم الأحمر و الأصفر اللون حسب نوع الشراب … يتخطى قيئهم دون النظر إلى الأرض ) 5.
يُربّت يده على كتف فريدة ( أمه ) و يمشط شعرها لعلّعا تنحرف عن خط الجنون و تعترف بما خبأته ذاكرتها اللعينة . يبحث عن الدفء , يدفن رأسه في صدر قطته ( مريم ) عند عودته كل ليلة من العمل . لا شيء يربطه بالعالم من حوله .
دخل الكُتَّاب صغيرا لكنه لم يحفظ القرآن ولم يتعلم الكتابة . الفرنسي (جاك ) الذي لا يعرف القراءة و الكتابة شيخه في الكُتَّاب . كان يبصق في فمه و يعذبه و يطرده خارجا . هذا حال ( المدينة التائهة.. مدينة إقرأ…) 6.
يقف عزيز عند الكنيسة ( لم يفكر يوما في دخولها رغم رهبتها و جمالها وسط الظلام . سيشم رائحتها يوماً ما , ربما تختلف عن رائحة المساجد التي لا يحب رائحتها الممزوجة بعطور ثقيلة , جوارب متعفنة و ريح مسلمين مصابين بامساك حاد ) 7.لم يعرف عزيز السلام الروحي , و العقل في لحظة عَراء ( أنا مُخَتن.. هاهو الدليل اني مسلم ) 8. خضع مكرها للختان طفلا , فقطعوا جلدة من عضوه , (عليه أن يبحث عن جلده و حظه , ربما لن يتحقق ذلك في ظلام الليل . عليه أن يتجرأ يوما على النهار ) 9.
ما أعظم ذلك الحلم.. الذي يحطم الأنسان عن طريقه جدران البؤس في البحث عن الحقيقة . يستنجد عزيز بالعذراء ( آه مريم احضنيني بقدر حزني و حزنك , فالمسيح ليس ابنك فهو نبي أُعدّ للصلب ليحرق .. هو ابن ربه .. أنا عزيز ابنك اليتيم ضمني يا مريم ليدخل الله بنوره , أيتها الناعمة الطاهرة .لا توجد امرة في عذريتك و عذريتي …)10. المسيح بلا أب , و عزيز يعد نفسه ابن الله . ولد من رحم العذراء التي ” لم تأت شيئا فريا ” ( أنا المهدي المنتظرالذي لا ينتظره أحد في فراغ هذا العالم ) 11.المهدي المنتظر الذي سيغير العالم حتما يوم يُبعث حياً
على جسر مدينة ( قسنطينة ) الذي تثبته حبال غليظة على جبال ( سرتا ) ” الاسم القديم لقسنطينة ” يلتقي عزيز بامرأة ” الزجاج ” الخرافية . ” لات ” تبعث فيه الدفء و الحنين .
تشرع في تدريبه على القراءة و الكتابة ( يأخذ قلما و يتتبع شكل الحروف . يقف عند النقاط و الفواصل … يشكر الكتاب على هذه العظمة . حتى الأُمي يمكنه أن يقرأ .. فاصلة .. تهدأ عينه الهائجة في الحروف , نقطة .. قوس يفتح عينيه لا يسمع شيئا .. قرأ كل النقاط و الفواصل و الأقواس , و قاس حجمها و زواياها .. رائع . يمزق الصفحة الأولى .. الثانية .. الثالثة . أتي على كل الكتاب . امتلأ حجره بالورق الأبيض . أخذ ورقة صنع منها طائرة نفخ فيها , رماها بقوة .. أعجبه طيران الحروف و النقاط و الفواصل . امتلأ حجره بالطائرات البيضاء . اكتضت الشرفة بالتحليق .. طفل مرح يصفق برجليه في السماء فرحا مبهورا بالطيران الحرّ) 12.
يتحرر عزيز من قيود العالم الذي حوله , و حنين يراوده لطيف هارب ( ماذا لو انقطعت حبال الجسرو سقط أسفل الوادي … يجب أن يتحرر الجسر من أقدام الأحذية التي تقرع غير مبالية بخطر السقوط المتربص لأي لحظة ؟) 13. تتقطع السبل بعزيز يقرر العودة إلى العزلة التي كان يعيشها ( لم تعد تهمه دائرة جلده المقطوع , حظه و كفره , فهو اليوم مؤمن بـ ” لات ” و بها سيكون آخر موعد مع النور , ليرجع إلى ليله و صمته العظيم ) 14. يكفر بالقوانين و التشريعات التي لا تلبي حاجاته الروحية و المادية . عزيز يصطدم بخيبة العالم الذي حوله , و يفشل في الوصول إلى معرفة حقيقته الوجودية .
عزيز و العذراء رواية حداثية وجودية , تغوص في عمق الذات للبحث عن الحقيقة الإنسانية , التي تخضع لمتناقضات الواقع , هذا الواقع الذي خلخل جدران بنائه عصر العولمة و التكنولوجيا اللذين انتجتهما الثقافة الغربية .
المصادر
1 ــ عايدة خلدون , عزيز و العذران , منشورات الوطن , الجزائر , د ط , 2017 , ص 22
2 ــ الرواية ص 29
3 ــ الرواية ص 36
4 ــ الرواية 42
5 ــ الرواية ص 21
6 ــ الرواية ص 42
7 ــ الرواية ص 24
8 ــالرواية ص 22
9 ــ الرواية ص 24
10 ــ الرواية ص 39
11 ــ الرواية ن ص
12 ــ الرواية ص 87
13 ــ الرواية ص 61
14 ــ الرواية ص 74

اترك تعليقا