“دموع الكورنيش” حين يتحول الحزن إلى إبداع قراءة في المجموعة القصصية ” دموع الكورنيش” للكاتب جعفر رابح / د/ بهيليل فضيلة
بواسطة admin بتاريخ 25 يناير, 2022 في 01:23 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 293.

هو الشوق، طائر يحط على نوافذ القلب المشرعة لصباحات الحب. هو الشوق رفيق المحبين، دليل التائهين، وخيط رفيع يلف القلب فينسكب بغزارة الحنين. جميلة كلمات الكاتب “رابح جعفر” وهي تتغلغل بأعماق الروح فتفتش دون استئذان لتقول ما نحس، وهو يبث الكلمات روحا تسافر بنا إلى أقاصي القلب أين يسكن الشوق والحنين.

حين يكتب “رابح جعفر” فإنه لا يبحث عن غريب القول وإنما عن أقربه وأعذبه ليقدمه لنا طوق ياسمين يعبق عطرا مندسا بين وريقاتها، وإن كانت نصوصه تتداخل أحيانا مع صوته ومناجاته إلا أنها تشدنا لنقرأ فيها الحياة؛ حياة عذابات المحبين، صوت أنين المحرومين وعَبارات الشوق لدى المشتاقين، إنها ببساطة نصوص ولدت من رحم الشقاء فأبت إلا أن تتزين لنا بطوق الياسمين ذاك. رابح جعفر الذي قال إن “الكتابة لا تعني أن تسوّد كثير الصفحات ، الكتابة أن تكون مؤثرا بما كتبت مثأثرا به “، وهو يدرك معنى أن نكتب لأجل أن نحيا، ليكون لنا أثر ، لننير عتمة الطرق التي صارت تلتف حولنا في دروب معتمة عل كلماتنا تمنح شيئا من النور ومن مفاتيح أمل تسهل لنا سبل الحياة. هو القائل أيضا: “أكتبُ لأكون لسان الآخر ، أكتب لأكون صرخة من لا يستطيع الصراخ ، أكتب ليكون حرفي هو حديث من لا يعرف إلى الحديث سبيلا” .

لعل أجمل ما في الكتابة بدايتها، أين تتحرر الذات رغبة في الانطلاق بشغف نحو هذا العالم لاكتشاف أسراره وخباياه. إنها متعة لا تضاهيها متعة تأليف كتاب ثانٍ وثالث ورابع، المؤلَّف الأول رغم كل أخطائه ونقائصه يظل تلك التجربة الفريدة التي تدخلنا عالم سحر الكتابة بكل تفاصيلها الصغيرة والجميلة، تقول الكاتبة الإسبانية إيزابيل الليندي “عندما كنت أكتب روايتي الأولى ، لم يكن ثمة طموح في الأمر، لا أمل بالنشر، لا ضغط من أي نوع (…) لذا لم يكن عندي أية توقعات، فقط حرية أن أروي قصة لغاية القص ذاتها”، إنها ببساطة بوادر الكتابة لدى إيزابيل وكذلك هو الأمر لدى رابح جعفر، فإنه كتب نصوصه دون أن يفكر في نشرها أو طباعتها آنذاك، وإنما اكتفى بمتعة تجريب الكتابة وبتحرير ذاته من ذلك المخاض الذي كونته الأفكار المتزاحمة بداخله فلم تهدأ إلا بعد ولادة عسيرة أنجبت قصصا قصيرة، سماها على بركة الكتابة “دموع الكورنيش” لتكون الطفل البكر ، و أول إنتاج أدبي للكاتب رابح جعفر.

” دموع الكورنيش” مجموعة قصصية مضمخة بالحزن وبالمشاعر المتناقضة التي يخلفها لقاء بحبيب أو رحيل قريب. نصوص لم يحاول الكاتب تجنيسها أو حصرها في قالب معين ، تاركا للقارىء متعة الاكتشاف وجمالية التلقي، يكتب دون أن يكبت قلمه أو يحاول تقديم تبرير، يكفيه أن ما كُتب بصدق سيعبر منافذ الذات والقلب ولو بعد حين.

نصوص الكاتب “رابح جعفر” تراكمات بالذات ارتسمت على شكل “وخز في الذاكرة”، وألم جاهدنا كثيرا على كتمانه خوفا من سماع قلوبنا كلمة “موجوع”، ونحن نسدل ستار النسيان على نوافذ “الاعتراف” خوفا من “عودة نبض” خلناه توقف وصار مجرد “ذكرى” عابرة.

“دموع الكورنيش” تلك الذكرى الأليمة ، وذلك الحب الذي اختار له القدر نهايته “الوحيدة” التي لا مفر منها، نهاية لا تشبه أبدا ما خططا له وحلما به. هو “حب بين أجل وقدر” ظل يتأرجح بين مد وجزر، هاربا من “لعنة السؤال”، حب شبيه بحلم لكنه “لم يكن حلما”، كان حقيقة ابتلعا نهايتها بمرارة ، وفي تحدٍّ أقاما معا “الرقصة الأخيرة” لتظل شاهدة على حب لن ينطفئ مهما طال به الزمن. طيفهما نورسان يحلقان على بحر لا تجف مدامعه، وعلى “شمس لا تغيب” حكاياتها، هو “مسبحة بلا ذكر” كانت لتكتمل حباتها فيتذاكران معا كلمة ‘أحبك’ لولا أن قطع خيط خشوعها شفرة حادة فتناثرت حنينا على الكورنيش.

هكذا هي نصوص الكاتب “رابح جعفر” تولد من رحم الحياة بعد مخاض عانى فيه رفقة أبطاله، فكانت تلك النصوص الموغلة في الحزن ، لكن بأسلوب جميل يأسر القارئ ويجعله يتماهى مع النص ، يحزن، يتألم، يغضب، يرضى، يبتسم، وفي كل الحالات يتفاعل معهم بصمت. هكذا كتب رابح جعفر، وهكذا نصح ويليام غولدمان الكاتب ديفيد بالداتشي  “اكتب كل شيء كما لو كان أول شيء تكتبه في حياتك”                .

اترك تعليقا