أزاهير المعنى، والمصائر المختلفة في مجموعة “أوقاتُ شيء” للشَّاعرة السُّوريَّة ميَّاسة دع / حسناء بن نويوة
بواسطة admin بتاريخ 3 مارس, 2023 في 06:53 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 217.

في مجموعتها الشِّعريَّة ” أوقات شئ ” الصادرة عن منشورات دار آشور بانيبال للكتاب بالعراق 2021 .

 أرادت الشَّاعرة “ميَّاسة دع” ترسيخ محنة الوطن والأنوثة. وأسست من خلال إشراقاتها مسارًا إبداعيًّا حافلًا بتغيير طبائع الشِّعر وفضاءاته الجماليَّة ودلالاته العميقة  حقيقة..

وأنا أقرأ لها وجدتني أجوب تيارات الدَّهشة ومدارات الخيال واستعصى عليَّ تصنيف مجموعتها ضمن جنسٍ أدبيٍّ واحد. لأنَّها شاعرة متجدِّدة تسعى بوعيها المغامر إلى إعادة هيكلة وإضاءة مفردات الحياة، بأسلوب مفارق.. منبثق من المطلق المتعالي الذي يدعونا إلى البحث والتَّساؤل الدَّائم. والجلي أنَّ نصوصها غرائبيَّة (بعض الشَّيء)، إلَّا أنَّها قائمة على التَّصوُّف وتواتر العبارة ونيِّرة بالطَّبيعة وعناصرها وأهوائها. فالشِّعر عند “ميَّاسة” هو الإحاطة بالخلق والاحتفاء بالحياة وبالآخر وبالمحبَّة الكائنة في الأرواح العاشقة.. الخيِّرة. ولقاء ذلك بلغت من الخصوبة والسُّورياليَّة ما يكفيها لتحفيز عقلها الباطن على الظَّفر بسعادة استثنائيَّة ومتعة عظمى لا محدودة:

كغيومٍ مارقةٍ

تبحثُ عن رؤوسِ أفكارِها

أبحثُ عنكَ

فِكراً وثمَراً..

أيّها الغائرُ في أجراسِ الضوءِ

وعمقِ دَمي

أحبّكَ..

***

الخاليةُ..

مِن يَدِي وهواءٍ لا أعرفُهُ.

أجنحةٌ

تدومُ عميقاً.. ولا أنساها.

أحضنُكَ..

كَـ خريرِ ضَوء.

الخاليةُ..

مِن بروداتِي واحتراقِ

الغيمِ!

***

أحجامُهُ..

وكم أنَّ خطاهُ مُسبلةٌ على كسورِ الفجرِ

أو

ذاتِ شوقٍ

وعروق!

..ثمَّ أعبرُ ظلالِي وأسمَائي وطقُوسِي الوعِرةِ

إلى قِممِ أجزائِهِ:

- هلّا ضممتَني بفتاتِكَ، ورفعتَني

إلى حضنِ هواءٍ

لا ينكسر!

***

أحجامُكَ المقبلةُ إليكَ!

..وأُقبلُ على دمعِكَ ومياهِكَ القاسية وحقائقِكَ

الساهرةِ عليكَ لأكفكفَ لكَ آخرَ وعيكَ:

لا شيءَ سوى انتماءَاتٍ بائتة

وأقدامِكَ التي تفتّحَتْ

عندَ أوّلِ ذاكرةٍ

للعدمِ.

ـ هلّا جرّدتَني مِن حروقٍ ناعمة

وشقوقِ ماءٍ

لا يندَمل!

وكمْ أنَّ خُطاكَ في عزِّ عمَاها

تلمعُ كَـ هاوية

وأُحصيها

كَـ وردةٍ ساخنة!

أحجامُكَ المُسدَلةُ إليّ

ما أثقلَ عمايَ !

أيّها المُسدَلُ حتّى عُمقي!

تكتب “ميَّاسة” إنطلاقًا من البياض المتأصِّل في ذاتها، متشبِّثة به لتداري جراحات روحها المتمرِّدة على العذاب الهائل والحبِّ الشَّائك. إضافة إلى أنَّها تستبقي في كوامنها بعض السَّلوى والاستفاضة. وتتعالى على المصائر الصَّادمة بخلق مترادفات وثنائيَّات تنتقد التَّصوُّرات البشريَّة وتفصِّل الشِّعر بمنظار ذواتنا بلغة توحي بمقدرة أناها على التَّكوين والمناورة:

وأنتَ.. الأبيضُ الذابلُ

تتنزّهُ

بينَ أزهارِ الغبارِ.. ووجهي.

وأنَا.. الذاتُ الأُخرى

المُثخنةُ

بحفيفٍ صامتٍ وهواءٍ

لا يَدمع!

أذكرُ.. لا أذكرُ:

حينَ سعالُكَ يجفّفني على

شجرٍ ناحلٍ

حينَ آخرُ يديكَ ينسلُّ بهدوءٍ

إلى فراغِ

ضَوء!

وأنتَ.. أبيض غائب

تتنزّهُ

بينَ مآقي دَمي

وأنَا.. ذاتٌ أخرَى

أذرفُكَ

على مهلٍ

طويلٍ!

وفي نصٍّ آخر يتلخَّص المعنى بجلاء:

أحبّكَ..

تسبقُني أوقاتُكَ وسرائرُكَ البسيطة إلى نباتِ ظلٍّ

يشتعلُ على اسودادِنا وأشجارِنا منذ وقتِنا الأولِ..

ولا يتجمّدُ.

أحبّكَ..

خالٍ أنتَ.. وخاليةٌ من مصائرِي ومسامِي وانتماءاتي الفائتة والمساءاتِ الأولى.. نهترئُ على وقتِ أقدامِنا

وبياضِنا الذي لا يتجمّدُ..

بياضُنا الباكرُ.. لا يتجمّدُ!

تحيلنا منحدرات “ميَّاسة” (أحيانًا) إلى “والت ويتمان” في تلقائيَّته وتحرُّره وشغفه بالعشب. وإلى “بابلو نيرودا” في غزليَّاته. وإلى “طاغور” في يراعاته. وإلى “النِّفَّري” في مواقفه. وإلى “التَّوحيدي” في إشاراته. وإلى “البسطامي” في شطحاته. (ذلك أنَّ تجربتها منشطرة من فلك نورانيٍّ لا يحدُّ.)

كما تحيلنا في (أحايين كثيرة) إلى السُّقوط/ السَّواد/ الشَّتات/ العُري/ الخراب/ البرد/ الغياب/ السَّراب/ الجفاف/ الانكسار/ العمى/ الخفوت/ الزَّوال/ وانشقاق العدم. وبالرَّغم من الحسِّ الفنِّيِّ العالي الذي تستند عليه، لا يمكن لقارئها أن ينفي عمق الوجع/ الانطواء/ الكآبة/ الفجيعة/ العذاب في المتعة/ والاغتراب الرَّاسخ في دواخلها:

أنتَ..

القادمُ من تجاعيدِ العشبِ

وغياباتٍ بائرة

تتسلّقُ بطيئاً نوافدَ النهرِ

بطيئاً

إلى أوْجِ سعالِكَ

ليستفيقَ بكاءٌ

على

وجهِ

ماء..

ماءُ ذاكرتي .. في

مَآقي هاويَة!

وتردف في مقطع آخر:

في منحدرِ ليلٍ

لم أزلْ.. أحتمي

بعُشبٍ

وخبايا.. لا أعرفُها!

..خباياهُ لم تزلْ تعتلي أياماً، وجذوراً ذاهلة، وكثرةَ أعمارٍ، وعيوناً قديمة، وذاكراتٍ لا تفنى:

خباياهُ

الأخيرةُ

على شفا غيمٍ.. أو

أرقٍ سرّي

لأدنوَ مِن فُتاتِ نهرٍ

يَدوم..

وميتاتٍ!

لا تركن “ميَّاسة” عند حدود المباشر والمألوف، بلْ تُوغل بحذر وإدراك في روح كلِّ قارئ. و”ميَّاسة” شاعرة جادَّة أمسكت بزمام القصيدة الحداثيَّة، وبرعت في الكتابة بلغة مفعمة بالغرابة وقوَّة الإيحاء، وأدركت جيِّدًا كيف تُكثف لحظتها الشِّعريَّة وتزدحم بذاتها، لتعزِّز تجربتها وبصمتها وخصوصيَّتها الشَّديدة:

لي أسماءٌ

من الغيمِ والظلِّ والسروةِ

والزفرة الداكنةِ

لأخدشَ أصابعَ الهواءِ عندَ أولِ

سرٍّ للنهرِ.

أسرارُكَ

تسقطُ في ماءِ سرّي

كما يسقطُ الصمتُ في الصمتِ!

ولكَ.. قصاصاتُ حروقٍ قديمة

ولمعةُ غيابٍ

وذاكرةٌ

منفيّةٌ

لا تعرفُ شهيقَ موتاها

أو أبيضَ عتمةٍ

ذاتِ شوقٍ وحصى.

بياضُ شوقي أجرفُهُ ببطءِ الفجرِ.. إلى

ما يشبهُ الأمسُ

أو دمعٌ خفيّ.

- أيُّنا الزائلُ في خضمِّ الأمسِ والنظرةِ

والغبرةِ

والفكرةِ

وما تبقّى من لونٍ

أو دمٍ قاسٍ على حَجر

وفيما.. لا يسمّى!

اترك تعليقا